لوعة مخطوطة، نُقلت إلى اللغة العربية، بعدما عبّر عنها باللغة الفرنسية والد الفنانة الفوتوغرافية الراحلة ليلى علوي التي قُتلت في هجوم إرهابي سنة 2016 ببوركينا فاسو أثناء قيامها بمهمة لفائدة منظمة العفو الدولية.
“إلى واغا!”، تصغير العاصمة واغادوغو، آخر الكلمات التي سمعها عبد العزيز بلحسن علوي من ابنته قبل رحيلها إلى مهمتها الأخيرة. عنوان دالٌّ، يتضمن شهادة شخصية غير منمّقة، يحاول عبرها الأب المكلوم استيعاب ما كان. لكن أهمية الكتاب لا تقتصر على هذا، بل تتعداه إلى رؤية رُفعَ عنها حجاب اليوميّ؛ فاستوعبت أن الآراء ليست مجرّدة ولها تطبيقات عملية في الواقع: تصوّرنا للإسلام، فهمنا للتاريخ، رأينا في الأحكام، تأويلات اللائكية الفرنسية، تصورات الهوية، تعريف انتماء الأشخاص، وما إلى ذلك مما قد يعتبر خطابياتٍ لكل شخص موقف منها، لا يدفع الكثيرَ ثمنا لهُ.
كتاب “إلى واغا-يوميات حداد لا يطاق”، الصادر عن دار النشر الفنك بترجمة حسان بورقية ومحمد الناجي، يخلّد ذكرى ليلى علوي التي اغتالها، في سنتها الثالثة والثلاثين، رصاص الإرهاب، وأحرقَ سائقها داخل سيارته بواغادوغو.
هذا العمل “جرد لأحداث قصة حقيقية، شهادة صادقة عن ألم شخصي، عائلي وجماعي في نفس الآن”، عبر الكتابة، وسيلة والد الراحلة “للتخفيف من هذا الألم الذي يعتصرني، ومن زخم الثكل الذي أصابنا بقوة وبشكل ظالم، هذا الثكل الذي لن أستطيع التخلص منه أبدا”، ويتابع: “لا أستطيع، بل لا أريد أن أجد هذا السلوان في النسيان، سيكون ذلك بمثابة خيانة. والنسيان، علاوة على ذلك، لا يتوقف على قرار نتخذه. إنني أريد أن أروي، ويلزمني أن أروي، هذه الفترة من حياتي، وأن أتذكرها”.
يعيد أبو ليلى علوي تركيب سيرة فقد؛ عائلة ميسورة يعيش أبناؤها بين المغرب وأقطار العالم، راشدون لكل منهم حياته، يلتقون ليتفرقوا بين دروب الحياة مجددا، قبل أن تأتي النكبة، التي يجد القارئ نفسه في قلبها، دقائقَ انتظارٍ، ألما، أملا، مواقفَ من موظفي منظمة دولية لاذوا بالمساطر الإدارية دفعا للمسؤولية، انتقالَ أخ إلى فراش احتضار أخته، عودته بجانب تابوتها، تعزيةً ملكية، ذهولَ عائلة وأصدقاء، وصدمةَ واقعٍ فُرض فرضا.
ولا يجد القارئ أمام كلمات عبد العزيز بلحسن علوي تعليقا: “فقدان ابن أو ابنة، ((يُتم الوالدين))، يعتبر شيئا غير عادي، إضافة إلى كونه شيئا غير عادل! إنه صدمة وبترٌ. هذا الوضع أقوى مني، وإني لأبدو أمامه ضئيلا، بلا دفاع يحميني ولا سند يقويني. كنتُ أعيش حياة عادية، بل أكثر من ذلك، حياة سعيدة. لم يكن لدي شيء خاص أحكي عنه حتى الآن. لقد سهرت على تربية أبنائي مع المرأة التي أحب. وقد اتخذ أبناؤنا الثلاثة المسارات التي وجدوا فيها متعتهم، فإذا بالفاجعة تصيبنا ذات يوم. انتزع الموت منا ليلى، اختطفها”.
ويتابع: “منذ ذلك اليوم كلما سألني أحدهم في الإدارات أو في إحدى المناسبات، أو خلال مقابلات تتم بالصدفة: كم أبناء لك؟ لا أدري بأي شيء أجيب. كان لي من الأبناء ثلاثة، ولم يتبق لي الآن سوى اثنين، أي الجوابان أصح؟ أي جواب عليّ أن أقدم؟ سيظل هذا السؤال يؤرقني ما حييت”.
لكن هذا الكتاب ليس مجرّد نعي، أو توثيق للفراق، رغم تضمنه لحظات فاصلة مؤلمة: “الحقيقة هي أنها ليست هنا، ولن تكون أبدا بيننا”، بل هو أيضا إعادة تفكير في محيط الإنسان وما اعتاده أو ما لم يولِه كبيرَ اهتمام قبلُ: فراغ عبارة “فرنسية من أصل مغربي” أو “مغربية من أصل مغربي”، مدى معرفة الإنسان بفلذات كبده، الحواجز الإدارية لمنظمة إنسانية، استمرارية المبدعِ-الابنةِ، أَ الموتُ أرحم من العيش محروما من حرية سابقة؟ فهمُ الإسلامِ ضيِّقُ الأفقِ، فهم اللائكية التمييزي، تحوّلات المغرب والعالم”.
وفي لحظة صفاء، يتحدث عبد العزيز بلحسن عن التمييز المستبطن في رؤى وتصرفات وأقوال في شهادة المرأة أو حرمان أمّ “أوروبية” من إرث ابنتها أو “اختبار” إسلام سيّدة أجنبية وربط ذلك بشهادة مكتوبة دونَ غيرها من المسلمين بالصّفة، كما يتناول “الأحداث الإرهابية” وتعامل المسلمين معها:
“لقد ذهبنا في اتجاه اعتبار هذه الأحداث معزولة بدل الحكم عليها وإدانتها بشدة أو بطريقة مختلفة. لقد انتظرنا حتى حدثت ردود فعل عنصرية وأخرى تنم عن كراهية الإسلام، بل أحداث اتسمت بالعنف، لنخرج عن صمتنا، أو من الغموض الذي طبع مواقفنا”.
ويبرز الكاتب المفارقة: “وحشية البشر وضراوة اقتتالهم اللتان شهدهما القرن الماضي، إن اقتصرنا على هذه الفترة ((الحديثة))، هما من الثوابت التاريخية التي لا يمكن أن ننسبها للإسلام ولا للمسلمين، ولا أقول هذا لتبرئة ذمتهم. وخلافا للقرون الماضية التي لا يمكن فيها فصل الدين-المسيحي، والمذهب الكاثوليكي منه على الخصوص، عن الحروب التي وقعت إلى عهود قريبة نسبيا، فإن الأديان كان دورها ضئيلا جدا (…) في النزاعات التي شهدها القرن العشرون”.
ومع استحضار السيطرة الاستعمارية الأوروبية، و”احتلال فلسطين”، و”الحرب الإيديولوجية في فيتنام لمحاربة الشيوعية وفرض هيمنة الرأسمالية”، والحرب الدينية الإيرلندية شمالا وجنوبا، يقول الكاتب: “أؤكد بشدة أن مآسينا قد بدأت بحرب البلقان، تلك المنطقة التي تخلت عنها أوروبا والغرب بجبن وسمحوا بشكل مخجل بتقسيمها، لأن الأغلبية الساحقة من الضحايا المستهدفين الذين تمت إبادتهم من المسلمين! تذكروا ساراييفو! لا شك أن ذلك كان وراء ظهور تنظيم القاعدة. وها نحن نؤدي ثمن ذلك. الحرب على العراق، التي ورطت فيها الإدارة الأمريكية اليمينية العالم كله، هي التي أدت إلى تجذر الإرهاب وانتهاء ذلك بظهور داعش… وكذا نوع جديد من الإرهاب الذي تنفذه الذئاب المنفردة”.
وبعد استحضار نماذج من اليوميّ الفرنسي في العقود القليلة الماضية، يواصل: “لقد فقدت العلمانية علة وجودها، فقدت نزاهتها من فرط استخدامها كأداة! يريدونها أن تكون ذات وجهين وتتأقلم وفق اللحظة أو الحاجة. لقد أفقدوها مصداقيتها بسعيهم لتدجينها مهما كلف الأمر! لا، يجب التوقف عن وضع قيم الجمهورية في مواجهة الأديان، كل الأديان!”
وفي قلب كتاب الأب عن ابنته ضحية الإرهاب، يجد القارئ: “أكرر القول لمن يريد أن يسمع، وللذين لا يريدون الإقرار بذلك، إن الإسلام يدعو للتسامح، ولا يدعو للعنف ولا إلى الطائفية، وبأنه يدعو إلى الاستقامة، والمساواة والحب، والحال أن العنف يضرب أطنابه وسط الشعوب الإسلامية، وليس فقط بين السنة والشيعة. والغرب يسعى جاهدا إلى بث التفرقة بينهم لكي يشعروا بكونهم مذنبين، وليتمكن من السيطرة عليهم وتكييفهم”.
ما الحل؟ يجيب عبد العزيز بلحسن علوي: “التربية العائلية، والاجتماعية، والدينية (…) قد أصبحت تعاني من عجز في بلداننا، وفي البلدان التي كانت مستعمرة سابقا أو استقبلت مهاجرين بين 1960 و1970. يجب إعادة النظر فيها بشكل جدي أو مراجعتها إن اقتضى الحال، وتأطيرها بشكل جيد وتطبيقها بمرونة أكثر”.
هذه التربية “يجب تفكيكها، ولكن في استقلالية تامة! يجب أن ندع المسلمين، بعد منحهم الوسائل المناسبة، ينهضون بأنفسهم، دون أن يقعوا في مغالاة أولئك الذين يريدون أو يدعون لتعديل القرآن، وتعديل الكتب المقدسة”؛ فـ”يجب أن ينبعث هذا التحول من الداخل، من وسط عائلي متنور، ومسؤول، وسطٍ تم تحميله المسؤولية وتنويره”، حتى لا “ينحرف هؤلاء الشباب ويقعوا في براثن التطرف، أن يقبلوا بتفجير أنفسهم، أن يموتوا-رغم كون الانتحار محرما أشد التحريم في الإسلام-أن يضحوا بأنفسهم من أجل ((قضية مزعومة))، من أجل وهم، خاصة وأنهم لا يجدون حرجا في فعل ذلك، في ارتكاب الجرائم وقتل الأبرياء، بمن فيهم ابنتي ليلى”.
The post يوميات والد "ضحية الإرهاب" ليلى علوي.. تأمّل للمأساة والتطرف والعلمانية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/9C8XmFd
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire