تطورات مخيفة تهدد بتحلل تدريجي قد يكون مفاجئا لكينونتنا الحضارية مستقبلا، قد تتم إذا ما استمر “تجاهل أعراض تمدننا العربي الحالية”، وفق الباحث إدريس مقبول، خاصة والمدينة في المنطقة “ليست في صحة جيدة؛ فالفوضى مع باقي الأعراض (…) تخترقها من النواحي كلها وتحيط بتفاصيلها كافة”، ما يقتضي “معالجات لظهورنا وللوعي والفعل”.
جاء هذا في كتاب جديد بعنوان “الإنسان والعمران واللسان: رسالة في تدهور الأنساق في المدينة العربية”، صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وينبه فيه مقبول إلى أثر “التمدن” على الكائن، بوصفه خروجا للإنسان من العشيرة ودخولا إلى المجتمع والمدينة وفق شروطها الصارمة، خاصة في ظل “عدم الانسجام” الظاهر في “الهوية الإنسانية عنفا واستبعادا وميزا حضريا، وعلى مستوى الهوية العمرانية تلوثا بصريا وتشوهات مجالية، وعلى مستوى الهوية اللسانية اغترابا وتفككا لغويا واضطرابا تواصليا”.
هذه الاضطرابات تتحدانا اليوم بقوة، وفق الكتاب، لـ”مراجعة مسألة علاقتنا بالمصادر الرمزية، والحاجة إلى إعادة تعريفها، مع حتمية الانفتاح على العصر”.
وفي سياق بحثه في هذا الموضوع، يستدعي هذا العمل الأدوات التحليلية لعلم الاجتماع اللساني، وعلم النفس اللساني، وعلم النفس المعماري.
ويرى مقبول في كتابه هذا إنصاتا إلى “لاوعي المدينة”، تفاديا لـ”ما يمكن أن تمارسه التحيزات الواعية، وحتى الدفاعات اللاواعية، على الانتباه لكل الإشارات والعلامات الدالة”.
وينصت الباحث، في هذا العمل، إلى المدينة في المنطقة باعتبارها “سردا للعلاقات وهندسة لتوزيع الأدوار، تنجح بمقدار ما تحققه من عدالة وتوازن وتكامل في هذا التوزيع، وتتدهور بمقدار ما تتجاهل هذه القاعدة الذهبية”. كما يدافع الكتاب عن “قيمة الأشياء في هذا العالم، وعن قيمة المعنى”.
ومن بين الأسئلة التي يحملها كتاب “الإنسان والعمران واللسان”: “هل من سبيل لإعادة ترتيب حياتنا المدنية في المدينة العربية من أجل إعادة التوازن والإقلاع إلى المستقبل الديمقراطي؟”.
ويعالج الكتاب هذا الموضوع عبر فصول سبعة، هي: المدينة وتدفق العلامات، وهوية الفضاء ودينامية الرمز، وآلة المشاعر السوداء التي تعالج مواضيع مثل مخلفات الاستعمار في تقسيم المجال وعنف العشوائيات، ثم فصل “إنسان معزول وسط الزحام” الذي من مواضيعه العزلة الاجتماعية وهجرة الأنماط والقيم، ففصل “الانسدادت والتحولات” المهتم بمدينة الاستعراض والأسواق العملاقة التي تبتلع بقال الحي، قبل الوصول إلى “أطر السيطرة الرمزية وهوامش المقاومة الصاعدة” المهتمة بالتحول اللساني وفنون الشارع، ختاما بـ”تراجيديات العنف الحضري والتلوث السائل” المهتمة بمواضيع من قبيل التلوث البصري.
كما يذكّر العمل بأن “البداية الصحيحة لكل بعث نهضوي هي الرقي بمستوى ‘الإنسان’ في علاقته بذاته وبالآخرين وبالعالم الذي يحتضنه، والعناية بالإنسان في بُعديه المادي والمعنوي”، أي “عمارة الإنسان” قبل “عمارة العمران”؛ لأن “هذا الإنسان يتوفر على إمكانات مذهلة لكنها كامنة تحجبها ربما قسوة المعطيات الحاضرة التي تأتي من اعتماد رؤية وهمية أو منحرفة”، علما أنه “إذا تحرك الإنسان، كما يقول مالك بن نبي، تحرك المجتمع والتاريخ، وإذا سكن سكن المجتمع والتاريخ”.
ورغم تشوهات المدينة وأمراضها، يتشبث إدريس مقبول بـ”أمل جديد” قائلا إن “إصلاح حياة الناس اليوم في المدينة العربية متوقف على النهوض بجميع حاجاتهم المادية والمعنوية”، ويزيد موضحا طريقَي “إعادة الحياة” إلى هذه المدينة: “التربية والعدالة”، مع تذكيره بقول مالرو إن “نهاية الأمل هي بداية الموت”، ما يقتضي “أنسنة المدينة العربية” بـ”التربية ومقتضاها من الثقافة بمعناها الواسع، تربية وتعليما وترقية للوعي والحس الجمالي والذوقي”، مع التمسك بـ”استلهام الروح العربية في الصياغة والتشكيل” عند “تخطيط مدننا”؛ لأن “لكل أمة روحها” ولو أنه “لا يمكننا أن ننفصل عن العالم” إلا أن “اتصالنا به يجب أن يكون من موقع واعِ وحيّ”.
The post مقبول يدعو إلى "أنسنة المدينة العربية" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/HTcydoE
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire