تُوشك عدد من أنماط الفرجة الشعبية في المغرب على الانقراض، رغم انتعاش الاهتمام بصوْن التراث غير المادي للمملكة خلال السنوات الأخيرة.
“ماطا” واحد من الطقوس الفرجوية التي توشك على الاندثار، وهي فرع من فروع فن الفروسية التقليدية (التبوريدة)، لها تاريخ عريق، تقام في قبائل جبالة في الشمال الغربي للمملكة، ويُروى أنها مستوحاة من لعبة “بوزكاري” التي تمارس في سهوب آسيا الوسطى.
في سباقات “ماطا”، التي تُقام في فصل الربيع، يجتمع الشباب في الحقول ممتطين جيادا غير مسرجة للتباري على دمية من قصب مدثّرة بثياب مزركشة، يتم صنعها خصيصا للمسابقة من طرف شابات القبيلة.
ومازال طقس “ماطة” يمارَس في بعض الجماعات القروية بتراب جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، ولاسيما جماعة أربعاء عياشة، حيث تقام في موسم الربيع أعمال جماعية معروفة بـ”التويزة”.
ويروي محمد أخريف، رئيس جمعية البحث التاريخي والاجتماعي بالقصر الكبير، في كتابه “ماطا في الذاكرة الشعبية بين الصمود والاندثار”، أن هذه اللعبة التي تمارَس في تلال مقدمات الريف، وبالخصوص في المناطق الجبلية، لا مثيل لها في المغرب، ولها شبَه مع سباق في أفغانستان.
ولا تتوفر مراجع أو معلومات ومصادر يمكن أن تُسعف في معرفة تاريخ لعبة “ماطا”؛ وما دوّنه أخريف في كتابه هو عُصارة ما جمعه من معلومات من خلال المخالطة والمشاركة والمواكبة على مدى العقود الثلاثة الأخيرة، وما جمعه من الأزجال والحكايات حولها، من خلال المقابلات مع المعنيين بها.
ولئن كانت المواسمُ عاملا من عوامل التوثيق فإن أخريف، الذي هو أيضا عضو الجمعية المغربية للبحث التاريخي، سجّل أن كثيرا من هذه المواسم بدأت في الانقراض والتلاشي، ومنها موسم “ماطا”، لأسباب متعددة.
وترجع أصول طقس “ماطا” إلى عهود موغلة في القدم، بحسب ما جاء في كتاب أخريف، مشيرا إلى أن دُمية “ماطا” لها أصل أمازيغي، وربما ترمز إلى إحدى الآلهة التي كانت تُعبد قديما، مثل إلهة الخصب، لأن الاحتفال يقع في فصل الربيع الذي يرمز إلى الخصب أيضا، ويضيف: “العادات والطقوس تبقى مختبئة عبر الزمن داخل ثنايا الذاكرة الفولكلورية للإنسان، وربما وقع تغيير لكثير منها بعد انتشار الإسلام في المغرب، ومنها طقس ماطا، نظرا لتغيير منظومة القيم نتيجة عدة عوامل”.
يرتبط طقس “ماطا” بالموسم الفلاحي، كما يوضح أخريف في كتابه، حيث يتم تزيين الدمية المسمّاه بالاسم الذي تحمله المسابقة على هيئة عروس، إما في ضريح أحد الأولياء، أو في إحدى الدور التي تتجمع فيها النساء للانطلاق منها إلى الحقول أو في مكان الحفل.
ويكون طقس “ماطا” تتويجا للعمل الجماعي الذي يؤدّيه أهالي المداشر في إطار “التويزة”، والمتمثل في إزالة الطفيليات من الحقول، حيث يدوم العمل إلى ما بعد صلاة الظهر، ثم يُنادى على المشاركين للتجمع، ويبدؤون في ترديد الأهازيج والأغاني الصوفية.
إثر ذلك، تسلّم امرأة، أو مقدّمة “السيد” (الضريح)، دمية “ماطا” لفارس فرقة فينطلق السباق ويتبعه الفرسان الآخرون لأخذها منه. وقد يدوم السابق والمناورة إلى منتصف الليل، إلى أن يتمكن أحدهم من الهروب بالدمية إلى منزله بأحد المداشر.
وفي حال تمّ تسليم الدمية إلى الفارس في البداية من طرف مقدمة “السيد” يتم إرجاعها مصحوبة بقربان يذبحه في ضريح وليّ خوفا مما قد يحصل له، كما جاء في كتاب “ماطا في الذاكرة الشعبية بين الصمود والاندثار”.
The post "ماطا".. طقس مغربي فريد يقاوم الاندثار في قبائل جبالة شمال المملكة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/bJRgoqp
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire