بحث في الفضاءات التاريخية والمعمارية والفنية والجمالية للحمّامات، ومتخيلاتها الشعرية والأسطورية والإيروتيكية، يحضر في كتاب جديد للشاعر والباحث أحمد بلحاج آية وارهام، صدر بعنوان: “جماليات الحمامات في الحضارة العربية الإسلامية”.
والأمكنة في رأي الكاتب، وفق ورقة تقديمية للمؤلَّف؛ “تتكلم في ذواتنا لغاتها، وتتنفس أريج مخبوءاتها، وتُرَقِّش وشوماً في الذاكرة تستعصي على الامِّحاء؛ فكَمْ من مكان خِلْنا أننا غادرْناه، وانفصلنا عنه في الزمن فإذا به يعود إلى استيطاننا كما الطفولة، ليُوقظ فينا شهوة الحنين إليه، والاندغام فيه مرة أخرى بروح غير التي احتضنته من قبل”.
ويهتم الكتاب بالمعاني الكامنة في تجربة الحمام في المنطقة المسلمة، أي إن ما يشغله هو “الكشف عن المعاني المُتَضَمَّنة في تجارب الذات داخل الحمَّام، وكما هي حادثة في الحياة اليومية وفي المعيش؛ كيف نقرؤها؟ وكيف نفهمها ونتأملها؟ وكيف نعرف الحقيقة المتَجَسِّدة فيها؟”.
ويذكّر الكاتب بـ”أهمية الحمام في النسيج المجتمعي، ووظائفه المتعددة والمتنوعة”، فهو “في الآن نفسه وجهٌ من وجوه الفن والإبداع الإنساني الراقي، ومُرَكَّبٌ ذو طابع فريد من العادات والتقاليد الحميمة الرائعة، والمفتَقَدَة الآن، ومَظْهَرٌ من المظاهر الصحية الحية؛ كما أنه مُلتَقًى للحياة الاجتماعية التي يتجلى فيها الظرف والخفة، والصفاء والأدب، والمجاملة والمشاكسة، ونَادٍ من النوادي الفاعلة في المجتمع، يلتقي فيه الناس من كل الأصناف والمشارب والتيارات، ومن مختلف المهن والثقافات، ومَعْرِضٌ تجاري بامتياز، يلتقي فيه الحِرَفيون والمهنيون، ووكالةُ أخبارٍ تستقي الأحداث والوقائع من الرواد، وتبثُّها فيهم، وفضاءٌ للمناظرات الثقافية والفكرية والأدبية والمناقشات العلمية والطبية”.
ويرى الكتاب في الحمّامّات “مرَكَّبات جمالية تتلاقى فيها كل صنوف المعارف الذهنية، والمهارات اليدوية، وتتحاضن وتتناسج وتتناغم، كما تتلاقى فيها الأجساد البشرية لتُدنْدنَ بأنغامها السرية كما كانت تدندن في الرحم، ولتمارس عريها الذي هو الأصل بعيدا عن الطابوهات، وسياط الطهرانيات المُقَنَّعة بقناع المقدس”.
ففي هذه الحمّامّات “تنتفي الحدود بين ما هو مقدس وما هو مدنس، ويعتلي الجسد قمة حريته، حيث يمارس في هذا المَحْضِن استقلاليته، ويتفيأ ظلال وعيه بالوجود من خلال عنصري الزمان والمكان الفينومينولوجيين، وليس المراد بالزمان هنا الزمان الفيزيائي المعروف، بل الزمان المعيش في الذاكرة والوعي والحُلْم. ولا بالمكان المكان الجغرافي الشائع، وإنما المكان المعيش الذي تتعرش فيه استيهامات تتلذذ بها الذات، وكأنها بذرة مرتوية بأنغام الرحم الأولى”، وفق المؤلف ذاته.
ويذكر الكتاب أن كل تجربة في الوجود لا تنفصل عن (أنا) متغيرة وعابرة، فيعتمد في بحثه أُسُسا، هي: فهمُ (الذات) من خلال استخلاص المعاني من التجارب المعيشة، وعلاقةُ هذه (الذات) بـ(الذوات) الأخرى في الجو الحمَّامي والعالم المعيش، وفهمُ ماهية الوجود عن طريق ربط الذوات به.
ويسعى هذا العمل إلى “إثبات أن الجسد لا يتمتع باستقلاليته التي تمنحه معنى الوجود في الكون إلا داخل هذه المُرَكبات الجمالية المدعوة بالحمامات”، وهي استقلالية “لا تُلغي الترابط المعنوي الوثيق بين كيانات أخرى مستقلة بجسدها”، في ترابط “يجد صيغته العليا في الحمَّامات”.
كما تكشف الحمامات، وفق الورقة التقديمية، عن “جملة من السلوكيات المجتمعية التي تحكمها تصورات غيبية، لا أثر ظاهرا للعقلانية فيها، والتي كانت مُلجَمة خارجها بحكم المواضعات الاجتماعية، وعند تأملها والبحث فيها ستنكشف لا محالة عقلانيتها المخصوصة، ونسق اشتغالاتها”.
إذن، من بين ما يحضر في هذا العمل اتجاه إلى “رصد الوظيفة المجتمعية لما يبدو في ظاهره نافلا وزائدا، أو عبثيا وهامشيا وشاذا، أو ضرْباً من ضروب قلة العقل”، في الحمامات.
وينطلق المؤلف من كون “الاهتمام بمثل هذه السلوكيات ليس اهتماما بها لذاتها فقط، وإنما هو عتبة تُيسر التوقف عند غيرها من الوقائع المجانسة لها”؛ “فإذا كانت الأحوال النفسية والسلوكيات والمعتقدات الجماعية تصل في تأثيرها على الجسد إلى حد تعطيل وظائفه الحياتية والجنسية تعطيلا شبه كامل، وإيقاف مفعولاتها، فإنها قادرة بشكل أَوَّلِي على إحداث استجابات، وتحديد ضوابط جسدية، بحيث ينتج عن ذلك قَوْلَبَةٌ معينة للسلوك مجتمعيا وفرديا”.
كما يرى الكاتب أن تصنيف الأفعال إلى مباحات ومحظورات، وإلى أمور محللة وأخرى مُحَرَّمة، “أي إلى مجموعة من الأوامر والنواهي التي تحفل بها ثقافة جماعة من الجماعات، فتحدد سلوكياتها والتزاماتها، لا تتكرَّس عمليا بالهيِّن، بل بالكلفة الباهظة”، ومن هنا يتساءل عن “كيف جرى تثبيت قواعد السلوك الجسدي لدى المسلمين الأوائل وبخاصة في الحمامات؟ وما هو دور الأحوال النفسية والمعتقدات الجماعية في تثبيت هذه القواعد التي ميزت الجماعة الإسلامية الأولى من غيرها من الجماعات المحيطة بها؟”.
ويتابع الكاتب: “وإن كان ثمة ميل كبير لدى الكثيرين إلى اعتبار القرآن المصدر الأول لتكَوُّن سلوكيات الجماعة الإسلامية الأولى، غير أن البحث الإناسي لا ينشَدُّ إلى هذا الميل، بل إنه يميل إلى السُّنة؛ بما هي أحكام لتحديد السلوك بدقائقه الجسدية أحيانا؛ فهي التي تُفسر بدرجة أكبر نشوء الجماعة”.
The post مؤلف جديد يبرز جماليات الفضاء والمتخيل بحمّامات الحضارة العربية الإسلامية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/YLmHFKs
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire