معجم للمصطلحات الموسيقية لطرب الملحون أعده الباحث الموسيقي عبد العزيز ابن عبد الجليل، الذي ترأس لما يقرب عشرين سنة المعهد الوطني للموسيقى بمكناس، صدر عن منشورات النادي الجراري، في إطار الاحتفاء بالذكرى التسعين لتأسيس النادي الجراري، أعرق نادٍ ثقافي في المغرب.
وكتب ابن عبد الجليل أن “من شأن قراءة متأنية لشعر الملحون أن تفضي بالناظر، فيما يزخر به من مصطلحات موسيقية، إلى وجود وعي لدى أشياخه يعكس بجلاء حسا موسيقيا متطورا لديهم منذ أن ارتبط هذا الشعر بالغناء، كما تؤشر، في ذات الوقت، لقيام تصور شبه مكتمل لبنية فنية تشاد عليها قصيدة الملحون من الوجهة الموسيقية”.
وحول أهمية النظر في المصطلحات الفنية لطرب الملحون، ولاسيما منها المرتبطة بالموسيقى والغناء، أبرز ابن عبد الجليل ضرورة إخراجه لِلَمّ شتات المصطلحات، والإلمام بشرح مضامينها، وتقريب مفاهيمها حتى تصبح قيد التداول والاستعمال بين الطلبة الدارسين لفن الملحون، بالنظر إلى أن “مصطلحات أي فن من الفنون تشكل مدخلا للدراسة العلمية الخاصة بهذا الفن”.
وذكر مؤلف المعجم أن القصيدة الزجلية قد استطاعت أن تحقق “تطورا بيِّنا من حيث الشكل والمضمون بفضل ما ابتكره رجالها من مستحدثات في دنيا الأوزان والقياسات، ثم بفضل ما تناولته من قضايا وأغراض رَحُبَت بها مجالات الإبداع وتجليات الصور والأخيِلة، الأمر الذي أفضى بها إلى أن تصبح فنا أدبيا قائما بذاته ومستقلا عن غيره من الفنون الأدبية الأخرى”.
وتابع: “في موازاة التطور الذي حققته القصيدة في هذا المضمار، فقد تهيأ لها أن تتطور بشكل واضح على مستوى النغم الإيقاعي والأداء بنوعيه الآلي والصوتي، وأن تتحول إلى إنجاز موسيقي له مقوماته الفنية الخاصة”.
ويرى الباحث في تعدد الألفاظ الاصطلاحية التي لها ارتباط باللغة الموسيقية، وانفتاحها على مفاهيم تتصل بالأنغام والمقامات والصوت، وأدوات العزف وما شاكل ذلك، دليلا على “قوة حضور الموسيقى في الشعر الملحون منذ أن كان إلقاؤه يقوم على “السرادة” الموقعة، بل منذ أن أصبح هذا الشعر خاضعا للبحور والقياسات، وإلى أن غدا فنا غنائيا يعتمد على المصاحبة الآلية بنوعيها الوترية والإيقاعية”.
وسجل الكاتب ما يتردد في قصائد الملحون من أسماء الطبوع الأندلسية وآلاتها على نحو “يشي بولع الأشياخ بها إلى حد كبير”.
ومن بين ما استشهد به، قول عبد العزيز المغراوي، الذي عاش في القرن 16 ومطلع القرن السابع عشر، في قصيدة “احمامة السطاح”: “والآلة والرّْباب / والعود انْغَايْمُه افْصاحْ / يَهْوِي ناسْ الغيوانْ كانْ صاحْ / والطَّرّْ إسْصيحْ بَجْناجَل آلا صَنْعا امْحَكمَة”.
ولاحظ بن عبد الجليل من خلال رصد مصطلحات الملحون الموسيقية واستقراء ما يتداول منها بين أرباب هذا الفن، تنوع وتعدد المرجعيات الفنية التي اقتبست منها مادته، فمنها ما له صلة بالشعر العربي وعروضه كأسماء أغراض الشعر، والبحور، والقصيدة، وما له صلة بمعجم الموسيقى الأندلسية، من قبيل أسماء الطبوع، وبعض الآلات الموسيقية، وما يرتبط بالمستعملات الغنائية الشعبية كالحضاري، وما له صلة بمعجم الموسيقى الشرقية كطبع البياتي.
ويرتب المعجم المصطلحات ألفبائيا انطلاقا من الألف حتى الياء، ويكتب المصطلح وشكله وفق ما ينطق به، ويشرحه وفق مدلوله السائد بين أرباب الفن، ويجاور هذا العمل ملحقان أحدهما جدول لبعض قياسات الملحون، والآخر مقالة حول أثر الموسيقى الأندلسية في الملحون.
ومن بين ما يرد في المعجم أن “الغاني” هو المنشد، ويجمع على “الغيوان”، ومعنى “الغيوان” الغناء، ويكتب أن “الأمّ”، أو “اليَمّ” هو “ضرب وسط آلة النقر المعروفة بالتعريجة، ويسمى أيضا “الندف”، ويقابله في الموسيقى العربية مصطلح “الدَّم”. وتحدث نقرته صوتا دافئا غنائيا”، أما “أنا يا سيدي” فـ”عبارة غير ذات معنى، يتكئ عليها المنشد كوسيلة لتحلية اللحن الموسيقي أو تمديده”.
و”التَّمْوِيلَة”، وفق المعجم، “إحدى المقدمات الغنائية الموزونة التي يمهد بها لإنشاد القصيدة، وهي في العادة من جنس القصيدة وزنا وقالبا، وبذلك تتنوع صيغها بتنوع أوزان القصائد”، و”التَّهْضيرة”؛ “لحظة تستأثر فيها الآلات النقرية بالضرب دون غيرها، ويصاحبها في الغالب التصفيق باليد. وهي تأتي في النهايات السريعة لإنشاد القصيدة. ويطلق عليها أيضا “اليد”.
أما “الحَرْبَة” فهي “أبيات شعرية تردد إنشادا بين أقسام القصيدة. وهي في الملحون بمثابة اللازمة في النشيد”، و”الحَضّارات” هنّ “النساء اللواتي ينشدن الدكرات على طريقة الحضرة”، و”ارْكَبْ” كناية عن “تسلم المنشد للغناء من منشد سابق بإنشاد قصيدة جديدة تكون على قياس الأولى وزنا وألحانا”.
ويعرّف المعجم “شيخ لَگرِيحَة” بكونه لقبا يطلق على من يحفظ ويغني أشعار الملحون، تمييزا له عن الناظم الذي يطلق عليه “شيخ السّْجِيّة”، ويعرف “القْصيدة” بكونها المنظومة الشعرية الملحونة وتجمع على “قصايد” و”قصدان”.
ويعدد المعجم معاني “الگبّاحي”، فهو أحد موازين الملحون، كما أنه طريقة من طرائق أداء السرابة، ويراد بها مصاحبة الإنشاد بالتعريجة، أو بالتصفيق القوي والمتواصل بالأكف لضبط إيقاع الميزان، كما قد يعني “إنشاد القصيدة مع استخدام عبارات (مالي مالي)”، أو قد يدل على “الضرب على الأكف”.
ويقول المعجم إن المراد من “لْعْبَارْ” هو “الوزن”، أما “لْفْصالا” فهي “فن إلقاء القصيدة”، و”لحْوِيَطْ لَقْصِيرْ” كناية عن قياس “لمشرقي”، الذي “سمي بذلك لاعتباره أيسر القياسات تداولا بين النظام بسبب اعتماده على أبيات ثنائية الأشطار يتكون كل منها من “افراشْ” و”اغْطَا”. وهو في الشعر الملحون بمثابة “الرجز” في الشعر المعرب الذي يسمى عند العروضيين “حمار الشعراء”.
The post "غيوان وگريحة" .. معجم فني يحاول إحصاء مصطلحات الملحون الموسيقية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/9GzKFAa
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire