ما هو تأثير "الأزمة التايوانية" على العلاقات الاقتصادية الأمريكية الصينية؟

اعتبر مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة أن “العلاقات الأمريكية – الصينية توترت في السنوات القليلة الماضية، على وقع الحرب التجارية بين البلدين واتجاه إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى تقويض أعمال شركة ‘هواوي’ الصينية في الأسواق الأمريكية والأوروبية، ثم جاءت زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي إلى تايوان مؤخرا لتشعل الخلافات مجددا بين الطرفين”.

وأشار مركز المستقبل، في مقال نشره بعنوان “تأثير أزمة تايوان على العلاقات الاقتصادية الأمريكية – الصينية”، إلى أن “بكين ردت على الخطوة الأخيرة بإجراء تدريبات عسكرية واسعة النطاق حول تايوان، وتعليق التعاون مع واشنطن في مجالات عديدة؛ أبرزها التغير المناخي”، مضيفا أن “التطورات الأخيرة تنذر ببعض التداعيات السلبية على مسار العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين”.

وبعدما تطرق مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة لمحاور “ظروف ضاغطة”، و”ديناميكية الأزمة”، و”ملفات عالقة”، و”استقطاب اقتصادي دولي”، ختم مقاله بالإشارة إلى أن “تصاعد التوترات الأمريكية – الصينية بسبب مسألة تايوان لن يتسبب على الأرجح في تدهور سريع للعلاقات التجارية بين بكين وواشنطن؛ لكنه من جانب آخر سيقوض حرية استثمار الشركات في أسواق البلدين، وستؤدي أجواء التوترات بينهما إلى زيادة حدة الاستقطاب الاقتصادي بين القوتين على المستوى الدولي”.

هذا نص المقال:

توترت العلاقات الأمريكية – الصينية في السنوات القليلة الماضية، على وقع الحرب التجارية بين البلدين واتجاه إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى تقويض أعمال شركة “هواوي” الصينية في الأسواق الأمريكية والأوروبية، ثم جاءت زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي إلى تايوان مؤخرا لتشعل الخلافات مجددا بين الطرفين.

وردت بكين على الخطوة الأخيرة بإجراء تدريبات عسكرية واسعة النطاق حول تايوان، وتعليق التعاون مع واشنطن في مجالات عديدة؛ أبرزها التغير المناخي. وتنذر التطورات الأخيرة ببعض التداعيات السلبية على مسار العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين.

ظروف ضاغطة

يأتي اندلاع التوترات بين الولايات المتحدة والصين وسط معاناة الاقتصادين الأمريكي والصين مشكلات بسبب جائحة كورونا وتبعات الحرب الأوكرانية – الروسية، ويتضح ذلك على النحو التالي:

1- تباطؤ النمو واحتمالات الركود: حقق الاقتصاد الصيني نموا بنسبة 0.4% فقط خلال الربع الثاني من 2020، وهو أسوأ أداء في العامين الأخيرين. وخفض “جولدمان ساكس” من توقعاته لنمو الاقتصاد الصيني خلال العام الجاري إلى 3% بدلا من توقعاته السابقة البالغة 3.3%.

أما الاقتصاد الأمريكي فقد انكمش بنسبة 0.9% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من العام الجاري، ويتوقع بنك “جي بي مورجان” ركود الاقتصاد الأمريكي بنسبة 75% خلال الـ 18 شهرا المقبلة.

2- تصاعد الضغوط التضخمية: ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة بنسبة 8.5% خلال يوليوز 2022 على أساس سنوي. وعلى الرغم من تراجع المعدل مقارنة بـ 9.1% المسجلة في يونيو 2022، فإن التضخم لا يزال مرتفعا مقارنة بمستوياته التاريخية.

وعلى صعيد آخر، ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين في الصين بنسبة 2.7% في يوليو 2022 على أساس سنوي ليصل إلى أعلى مستوى له خلال عامين.

3- أزمات داخلية: لا يزال الاقتصاد الصيني يعاني أزمة عقارية حادة مع تخلف مزيد من شركات التطوير العقاري عن تسديد ديونها، كما أدى تفشي فيروس كورونا مجددا إلى فرض إجراءات الإغلاق الاقتصادي، وتسبب ذلك في تراجع الإنفاق الاستهلاكي وتعطل الخدمات اللوجستية. ومن ناحية أخرى، يحاول الاقتصاد الأمريكي تجاوز مشاكله المختلفة بما في ذلك ارتفاع التضخم، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة.

ديناميكية الأزمة

كشفت ديناميكية الأزمة بين الولايات المتحدة والصين عقب زيارة بيلوسي إلى جزيرة تايوان عن نقاط عديدة، وهي كالتالي:

1- عقاب محسوب: ردت بكين على زيارة بيلوسي إلى تايوان بحظر تصدير أو استيراد بعض السلع التايوانية للسوق الصيني؛ لكن من غير المتوقع أن تؤثر تلك الإجراءات بشكل كبير على الاقتصاد التايواني.

واعتبرت بعض التحليلات أن تلك الإجراءات مجرد تنفيس عن الغضب الصيني من زيارة بيلوسي، وأن العلاقات الصينية – التايوانية ستعود إلى ما كانت عليه في غضون أشهر.

2- إجراءات محدودة: أنهت بكين، ردا على زيارة بيلوسي، التعاون المشترك مع الولايات المتحدة في مجال المخدرات والمناخ والحوار العسكري والجريمة. وعلى الرغم من ذلك، فقد تحاشت الصين اتخاذ إجراءات اقتصادية انتقامية موسعة ضد الولايات المتحدة أو حتى تايوان.

3- ترقب للخطوة التالية: لا تزال كل من بكين وواشنطن تترقبان مواقفهما حيال الجزيرة. وعارضت وزارة التجارة الصينية، مؤخرا، المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وتايوان بشأن توقيع اتفاقية تجارة حرة بينهما. وحذرت بكين الولايات المتحدة من التقليل من رد فعل الصين.

4- استبعاد الحرب: من غير المحتمل أن تدفع الصين بنفسها إلى حالة حرب مباشرة ضد تايوان، إذ تشير بعض التوقعات إلى عدم قدرة أي من الجانبين، سواء واشنطن أو بكين، على تحمل المخاطرة بتصعيد التوترات الراهنة، إذ تأتي التوترات في فترة يعاني منها كلا الاقتصادين كما ذكرنا آنفا.

ملفات عالقة

قد يترتب على التوترات الأخيرة بين الولايات المتحدة والصين تعثر تسوية بعض الملفات الاقتصادية العالقة بين الجانبين؛ وذلك على النحو التالي:

1- استمرار القيود التجارية: قررت الإدارة الأمريكية سابقا، في ضوء سعيها إلى محاربة التضخم، دراسة تخفيف بعض الرسوم والتعريفات المفروضة على الواردات الصينية؛ بيد أن التوترات الجديدة ستدفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة التفكير في هذا الأمر، على الأقل، خلال المدى القصير، هذا في الوقت الذي لم تفِ فيه الصين بالتزامها بموجب اتفاق التجارة الموقع مع الولايات المتحدة بشراء المزيد من السلع الأمريكية.

2- تشديد القيود على الشركات الصينية: من المحتمل أن تتشدد السلطات الأمريكية بشكل أكبر في المفاوضات الخاصة مع بكين بشأن السماح للمدققين الأمريكيين بالحصول على تقارير مراجعة حسابات الشركات الصينية المدرجة بالبورصات الأمريكية.

وكان الكونغرس الأمريكي حدد عام 2024 لبدء إلغاء إدراج الشركات التي لا تسمح بالوصول إلى حساباتها. وحسب تقديرات “بلومبرج إنتليجنس”، فإن حوالي 300 شركة يقع مقرها في الصين وهونج كونج معرضة لخطر الشطب من البورصات الأمريكية؛ ومن بينها مجموعة “علي بابا” القابضة و”بايدو”.

وفي هذا الصدد، تشير بعض التوقعات إلى توالي إعلان الشركات الصينية عن انسحابها من البورصات الأمريكية، خاصة تلك المملوكة للدولة والعاملة في قطاعات إستراتيجية؛ وذلك بعد إعلان خمس شركات صينية عن خطط لشطب أسهمها من البورصات الأمريكية، أبرزها: “تشاينا لايف إنشورنس (China Life Insurance)، وبتروتشاينا (PetroChina).

3- القيود على الاستثمارات: من المحتمل أن تؤدي التهديدات الصينية بفرض الحصار على تايوان أو غزوها إلى التأثير سلبا على استثمارات الشركات الأمريكية والغربية العاملة في تايوان أو في الصين، سواء المخططة أو القائمة، حيث سيعمل المستثمرون على تغيير وجهاتهم الاستثمارية بعيدا عن المنطقة.

وفي السياق ذاته، فإن استمرار التوتر في العلاقات الأمريكية – الصينية من شأنه التأثير سلبا على أداء الشركات العاملة في الدولتين؛ فوفقا لاستبيان أجراه مجلس الأعمال الأمريكي – الصيني لعام 2021، صُنِفت العلاقات الأمريكية – الصينية على أنها التحدي الأكبر للشركات الأمريكية التي تمارس الأعمال التجارية في الصين، للعام الرابع على التوالي.

كما تعزز التوترات بين الجانين من تخارج الشركات العاملة في الصين، وهو التوجه الذي شهده الاقتصاد العالمي جراء اضطرابات سلاسل التوريد وتفشي فيروس كورونا في الصين. وعلى سبيل المثال، نقلت شركة “آبل” الأمريكية بعض عملياتها من الصين إلى فيتنام والهند. كما تدرس بعض الشركات الأمريكية الأخرى نقل عملياتها الإنتاجية إلى المكسيك بدلا من الصين.

4- تزايد التنافس حول الرقائق الإلكترونية: يسعى كل من الجانبين الأمريكي والصيني إلى إحراز تفوق عالمي في الصناعة؛ فخلال غشت 2022 وقع الرئيس الأمريكي جو بايدن على قانون لدعم إنتاج وأبحاث أشباه الموصلات، بما يعزز من تنافسية الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة الصين في هذا الشأن.

وتسعى واشنطن إلى تكوين تحالف الرقائق للدول الأربع (Chip 4) لتعزيز الشراكات والتعاون بينها وبين كل من تايوان واليابان وكوريا الجنوبية في مجال الرقائق الإلكترونية، وهو ما وصفته الصين بمؤامرة ضدها.

وعلى الجانب الآخر، تدرك بكين جيدا أهمية تايوان في هذه الصناعة، لذا استبعدت الرقائق الإلكترونية من السلع التي علقت حركة تصديرها أو استيرادها من تايوان. ومن الجدير بالذكر أن أي تصعيد في التوتر بين الولايات المتحدة والصين بشأن تايوان قد يؤدي إلى تعطل الإمدادات العالمية من الرقائق الإلكترونية، مما سيضرر بالعديد من الصناعات بكلا الدولتين.

استقطاب اقتصادي دولي

في إطار التوترات الأمريكية – الصينية الأخيرة، من المتوقع أن يشهد النظام الدولي مزيدا من الاستقطاب على صعيد العلاقات الاقتصادية بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين من جهة والدول النامية من جهة أخرى، ويمكن إيضاح أهم ملامح ذلك على النحو التالي:

1- مبادرات تمويلية متنافسة: أعلنت الإدارة الأمريكية عن اعتزام مجموعة السبع إطلاق برنامج للاستثمار في الدول النامية بقيمة 600 مليار دولار. ويأتي ذلك في إطار مواجهة مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين في عام 2014.

2- منافسة بين التكتلات الاقتصادية: تحاول الولايات المتحدة والصين استقطاب مزيد من الدول إلى التكتلات الاقتصادية التي تنتميان إليها؛ فقد استضافت الصين في يونيو 2022 قمة مجموعة “بريكس”، والتي تقدمت بعض الدول بطلبات للانضمام إليها، ومنها إيران والأرجنتين، كما تخطط بعض الدول للانضمام إليها، ومنها والجزائر. بينما أعلن بايدن، في مايو 2022، عن شراكة اقتصادية جديدة في آسيا والمحيط الهادئ، من خلال اتفاقية تضم 13 دولة في المنطقة تستثني الصين.

كما خفضت الصين، مؤخرا، التعريفات الجمركية على الواردات من 16 دولة نامية بما في ذلك كمبوديا ولاوس وجيبوتي ورواندا؛ لتوسيع علاقاتها الاقتصادية، ومواجهة التوترات في علاقتها التجارية مع بعض الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة وأستراليا.

3- تنامي العلاقات بين الصين وروسيا: تشير التوقعات إلى اتجاه العلاقات بين البلدين لمزيد من النمو في الفترة المقبلة، إذ يتشاركان في تصور مشترك بأن الغرب يحمل عداء إيديولوجيا تجاههما، وتأمل الصين أن تساعدها الشراكة مع روسيا في بناء نظام مالي قائم على اليوان الصيني.

4- حوكمة قضايا المناخ: يحتاج العالم بلا شك إلى تضافر جهود الولايات المتحدة والصين لإنجاح الجهود الدولية لمكافحة التغير المناخي، باعتبارهما أكبر اقتصادين في العالم، ولديهما من الأدوات السياسية والمالية الكافية لتشجيع المجتمع الدولي للتعامل في هذه القضية. وفضلا عن ذلك، تعتبر الصين موردا رئيسيا للسلع الوسيطة المستخدمة لإنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

لكن، مع تعليق الصين للمحادثات المشتركة مع الولايات المتحدة بشأن قضايا المناخ، ستتأثر سلبا المحادثات العالمية بشأن قضايا المناخ والتقدم في خفض الانبعاثات الكربونية، وأيضا على فرص نجاح المناقشات في الجولات التالية من القمة العالمية للمناخ.

وختاما، يمكن القول إن تصاعد التوترات الأمريكية – الصينية بسبب مسألة تايوان لن يتسبب على الأرجح في تدهور سريع للعلاقات التجارية بين بكين وواشنطن؛ لكنه من جانب آخر سيقوض حرية استثمار الشركات في أسواق البلدين. وعلاوة على ذلك، ستؤدي أجواء التوترات بينهما إلى زيادة حدة الاستقطاب الاقتصادي بين القوتين على المستوى الدولي.

The post ما هو تأثير "الأزمة التايوانية" على العلاقات الاقتصادية الأمريكية الصينية؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/hwq0T7c

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire