وفاءٌ للشاعر الراحل محمد الطوبي، وشعره، وموقفه، و”شدوه الإنساني الجميل”، يحضر في أحدث كتابٍ للأديب العربي بنجلون.
بعنوان “محمد الطوبي.. السيرة والقصيدة”، يقف بنجلون عند محطات من إبداع وحياة الشاعر الراحل، مذ كان طفلا لا يُقدر تميّزه الأب، إلى أن زاره المرض الأخير، مرورا بسنوات من الكتابة، والمواقف المؤثرة داخل المغرب وفي الفضاء العربي الجريح.
كما ينظر الكاتب في معاني ورمزيات شعر الطوبي، من قبيل افتتانه برمزية المرأة، التي تحل في كل شيء، كفعل لا جسد، والتي عادلت عنده في كل حالاتها “الوطن”.
ويتتبع بنجلون عند الطوبي بدايات لوثة الأدب، مستدلا على ذلك بما قاله “الشاعر المغربي الشهيد محمد القُرّي، الذي عذبه المستعمرون عذابا أليما، حتى لفظ نفسه الأخير؛ تقول لي ذاتُ حُسنٍ: ما الشأنُ فيك غريبُ؟/ أراك بائسَ حظٍّ/ فقلتُ: إنّي أديبُ!”.
هذه القاعدة لم يشذّ عنها الشاعر الراحل، وفق صديقه الذي رافقه في مطبات الحياة ربع قرن، قبل الرحيل.
ويرصد بنجلون عند الطوبي أثر الرحيل المبكر للأم على حياته وشعره، والصدر الدافئ الذي وجده في أم صديق له قال عنها: “تلك أمي إلى آخر المنتهى”.
وحول أثر الفرد في جماعته، كتب بنجلون أن ما حققه الطوبي “بزياراته ونشاطاته، وتواصله مع المشرق، عبر المراسلات والحوارات، التي نشرها في المنابر الصحافية، كان أكبر مما حققته السياسة العربية في الحقل الثقافي”. ويزيد متحدثا عن أعماله الدالة على “إيمانه القوي بالوحدة العربية، ولو في جانبها الثقافي”!.
وفي إشارة غير عابرة عن مطبات الاعتراف عرّج المؤلَّف على نعي “اتحاد كتاب المغرب” لحضور الطوبي الفاعل “داخل المغرب وخارجه في العالم العربي على الخصوص، والطوبي الذي كان من “خيرة شعراء الحداثة المغربية والعربية”، وعلق: “هذا التقدير لم يحظ به الشعر المغربي إلا بعد أن مُني بوفاة صديقنا الشاعر”.
ويستعيد بنجلون في مسار الطوبي ألمه “كسائر الأدباء والشرفاء، لما يعانيه العالم العربي برمّته من فُرقة وتشظّ وتشرذم وتخلّف، قبل حرب الخليج بسنوات”، ويسطر على “مواقفه الشجاعة وتصريحاته”، التي “كانت تنمّ عن رفضه ومقته للغزو، سواء العسكري أو الفكري، وسواء العربي أو الغربي”.
ويزيد: “فلا يخال البعض أن الطوبي كان شاعرا، يملك ناصية الكلام فقط، أو من الذين “يتبعهم الغاوون”… لا، لقد كان شاعرا (عضويا) يترجم آراءه على أرض الواقع. ودلت الأحداث الأليمة، بفضل حسه الشعري التنبئي. كان يدرك ما ستؤول إليه العراق”.
ويواصل: “ألم يندد بغزو الكويت، وينشر قصيدته الهجائية، والعالم العربي من الماء إلى الماء يهيج ويموج؟! (…) في ذلك الحين، قلت له مازحا: لقد خسرت فنادق خمسة نجوم، ولن تطأ قدماك أرض العراق، منذ اليوم..! فأجابني على الفور، كأنه كان ينتظر مني تلك المُزحة: ليشربوا البحر، لن أبيع إنسانيتي بثمن بخس!”، علما أنه كان قبل ذلك يزور العراق مرارا، ولم يزر الكويت قط.
هذا الموقف كان له أثره داخل اتحاد كتاب المغرب، الذي كان كاتب فرعه بمسقط رأسه القنيطرة، وطالبه أنصار الغزو بالاستقالة.
وفي المغرب ومع المغاربة وطبقاتهم الاجتماعية الدنيا، عدد بنجلون مواقف الطوبي بالفعل، التي من بينها رفض التنقل إلى السفير لزيارته مع وفد الكتاب لأن تقدير الأدب والأدباء يقتضي العكس، وهجره فراش الموت ليتضامن مع زملائه الموظفين بالجماعة الحضرية وهم مضربون محتجون، وقوله الحقيقة ضد “الكولسة” داخل اتحاد الكتاب، وغير ذلك مما كان يقطع به “بذكاء وشعور حادين” عادته في الصمت التي تعلمها من “أمه البدوية”.
The post العربي بنجلون يتذكر الراحل محمد الطوبي .. شاعر الحداثة والمواقف الصادقة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/DNa1Inj
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire