تيفوس وجذام وحمى .. أوبئة نهشت أجساد المغاربة إبان الحماية الفرنسية

أجرى معاد اليعكوبي، باحث متخصص في التاريخ المعاصر ومهتم بالتاريخ الاجتماعي، دراسة حول أهم الأمراض والأوبئة التي عرفها المغرب خلال فترة “الحماية الفرنسة”، كالتيفوس والجدري والطاعون والجذام وحمى المستنقعات…، مسلطا الضوء على ردود فعل المجتمع المغربي وقواه الحية آنذاك، وما واكبها من طرق للوقاية من تلك الأمراض أو الوقاية منها في ظل الاستعمار، محاوِلا استشفاف طبيعة تعاطي الاستعمار مع صحة المغاربة والتقاط ما ظل صامدا في هذا الباب في الزمن الراهن.

في المحور الأول من الدراسة التي تحمل عنوان “الأمراض والأوبئة وسبل مواجهتها.. المغرب المستعمَر نموذجا”، قال معاد اليعكوبي إن “المغرب عرف خلال الفترة الممتدة ما بين 1912 و1945 أمراضا وأوبئة عديدة، وكان التيفوس أخطرها، حيث انتشر بمدن فاس ومراكش وبرشيد والجديدة وسلا وتمارة ودبدو، وبدرجة أكبر بالدار البيضاء والرباط، مخلفا مئات الضحايا، ضمنهم صرعى على قارعة الطريق”.

وبلغة الأرقام، أشار الباحث ذاته إلى أن سنة 1937، أي “سنة الجوع”، انتشر الوباء بوتيرة سريعة، مخلفا مئات المصابين والموتى في صفوف المغاربة بنسبة أكبر، حيث بلغ عدد الإصابات بمدينة مراكش لوحدها يوم 21 دجنبر 1937، 437 حالة، ضمنها 54 وفاة في أوساط المغاربةـ أما بالنسبة للأوروبيين فسجلت 19 إصابة، من بينها وفاة واحدة. وأضاف أن هذا الوباء استشرى بمدينة الدار البيضاء في شهر دجنبر 1937 واستمر إلى غاية يونيو 1938، ومنها انتشر في محيطها، خصوصا منطقة الشاوية ودكالة، وقدر كاليسو 10 آلاف حالة إصابة بالتيفوس خلال هاتين السنتين”.

ظهور الأوبئة قُبيل الاستعمار

يصنف تاريخ الأمراض والأوبئة ضمن التاريخ الاجتماعي، وهو التاريخ الذي لا نجده حاضرا بقوة عند جل الإخباريين والمؤرخين منذ العصر الوسيط إلى حدود الفترة المعاصرة، هؤلاء الذين هيمنت في مصادرهم ومراجعهم الوقائع السياسية والعسكرية أكثر من غيرها. وقد شهد المغرب، قبل حلول الاستعمار المباشر، ممارسات في المجال الصحي عكست ثقافة “طبية” مسايرة للبنيات العتيقة القائمة ولوسائل الإنتاج البدائية.

وقد وقع الاختيار على هذا الجانب، نظرا لتأثيره العميق والحاسم على التطور الذي عرفه المغرب على المستويات الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية والديمغرافية، وكذلك لامتداده في الزمن الراهن، ثم وفرة المادة التاريخية المتضمنة لأرقام وإحصاءات وتحريات دقيقة، خصوصا التقارير الاستعمارية الرسمية، التي تسعف في القيام بمحاولة تحليل تاريخي، تنتهي إلى استنتاجات مهمة حول هذا الموضوع.

وعانى المغرب، خلال الفترة التي سبقت الاستعمار المباشر بشدة من الأمراض، وتحديدا الكوليرا، بحسب (Jean Louis Miege)، وأيضا من نزيف ديمغرافي وارتفاع لمعدلات الوفيات، استمر طيلة فترة الحماية الفرنسية بالمغرب، خصوصا الفترة الممتدة من 1912 إلى 1947، رغم توفر الإدارة الاستعمارية على الإمكانيات والبنيات الصحية.

وفي السنوات الأولى من الاستعمار انتشر وباء الطاعون بالعديد من المناطق، خصوصا منطقة الشاوية، التي قضى فيها على حوالي 10 آلاف ضحية؛ وذلك في سنتي 1911 و1912 (عبد الحميد حساين: جوانب من تاريخ الأوبئة بالمغرب خلال فترة الحماية)، وبعدها بسنة ظهر وباء التيفوس وحمى المستنقعات (Palaudisme). وفي نهاية سنة 1918، سيحل وباء الزكام الإسباني، الذي انتشر في أوساط الأطباء والممرضين والجنود وأودى بحياة موظفين كبار في الإدارة الاستعمارية الفرنسية؛ وضمنهم صامويل بيارنيSamuel Biarnay، رئيس مصلحة الأحباس، والكولونيل هنري بيريو Henri Berriau، رئيس مصلحة الاستخبارات.

انتشار الأوبئة خلال فترة الحماية

عرف المغرب، خلال الفترة الممتدة ما بين 1912 و1945، أمراضا وأوبئة عديدة؛ أبرزها التيفوس والجدري والطاعون، ثم الحمى الراجعة خلال الحرب العالمية الثانية (بوجمعة رويان: التيفوس بالمغرب خلال الحماية)، وكان التيفوس أخطرها، حيث ارتبط هذا الوباء بالمجاعات والجفاف منذ القرن التاسع عشر واستمر خلال فترة الحماية. ففي سنتي 1913 و1914، ظهر نتيجة لأزمة فلاحية حدثت بفعل الجفاف. وقد وصف المختار السوسي الوضعية خلال هذه الأزمة، بالقول: “ومن الحوادث ما وقع في عام 1331 هـ من الغلاء المفرط، وانحبس المطر ولم تقطر منه قطرة إلا في الأرض المسماة المعادر القبلية، فإنها قد غمرتها السيول وانحشر إليها الناس ممن لهم زريعة..” (المختار السوسي)، فانتشر بمدن فاس ومراكش وبرشيد والجديدة وسلا وتمارة ودبدو، وبدرجة أكبر بالدار البيضاء والرباط “إذ تم خلال الأشهر الأولى من سنة 1914 تسجيل 600 حالة بين المغاربة في الدار البيضاء و200 حالة بين الأوروبيين، و700 حالة بين المغاربة في الرباط و150 لدى الأوروبيين”، مخلفا مئات الضحايا، ضمنهم صرعى على قارعة الطريق، وفق ما كتبه Houel (H), Mes aventures marocaines.

وفي هذا الإطار، ينقل بوجمعة رويان ما أورده الطبيب كراندورج في مذكراته بأن التيفوس عاث في المغرب الشرقي في بداية 1914 وخلف أوضاعا صحية مزرية لدى الجيوش والطيارين المطاردين والسكان.

بعد ست سنوات سيعاود وباء التيفوس اكتساح أطراف البلاد، انطلاقا من تازة، فظهرت بعض الحالات خلال شهر دجنبر 1920 في سجن الكتانيين وباب دكالة بفاس. وفي شتاء 1921، انتشر في بعض الأوراش في بور ليوطي (القنيطرة)، ليبلغ أوجه في شهر فبراير وأيضا في فصل الصيف في أوساط العمال المشتغلين بأوراش تعبيد الطرق وسجناء الدار البيضاء. ولم يستثن الوباء بعض الأطباء الذين عملوا على محاربته؛ ومن بينهم أوكيي Auquier، أكولاسAccolas ، جيبرتGibert ، روبولReboul ، بويسBouis وبولانPoulain وأيضا الممرضة فرونتو Frontault . وفي هذا الصدد كتب دانييل ريفي: “وفي الثلث الأول من القرن الـ20 م، أضحى التيفوس الآفة الأكثر رعبا، فعدد الضحايا التي خلفها، هي دون شك أقل جسامة من التي أحدثها الطاعون”، حسب دانييل ريفي الذي كتب عن الطب الاستعماري: أداة استبدادية متسامحة لمراقبة السكان.

التيفوس.. ظهور متكرر وانتشار متجدد

خلال سنة 1927 ونتيجة للجفاف، خصوصا في منطقة الجنوب والذي تسبب في “مسغبة شهباء بلغت فيها المجاعة بسوس أقساها ومات فيها خلق كثير” سيظهر داء التيفوس مجددا، مسجلا 6512 حالة في الفترة الممتدة ما بين نهاية 1926 و1928. وهنا يشير رويان إلى أن الوباء أودى بحياة أحد أشهر الأطباء في فبراير 1928، ويتعلق الأمر ببول شاتنيير Paul Chatinieres، الذي ترك رسالة لصديقه قبل وفاته بعشرة أيام، جاء فيها: “لقد قرصني التيفوس هذه المرة، وكنت أنتظر ذلك بعض الشيء، وعلى الرغم مما كنت اتخذته من احتياطات، وهي كثيرة، فقد كان من الصعب ألا تتعلق بي قملة تحمل المرض… إني وزوجتي نترقب كل الاحتمالات… أطلب منك كصديق أن تهتم بأهلي وأقاربي…”.

ستعرف الفترة الفاصلة بين 1937 و1945 مرحلة ثانية، سيحل فيها وباء التيفوس في كَرتين؛ الأولى كانت خلال سنتي 1937 و1938، وقد أطلق روني كاليسو René Gallissot على 1937 “سنة الجوع”، فانتشر الوباء بوتيرة سريعة، مخلفا مئات المصابين والموتى في صفوف المغاربة بنسبة أكبر، حيث بلغ عدد الإصابات بمدينة مراكش لوحدها يوم 21 دجنبر 1937، 437 حالة، ضمنها 54 وفاة في أوساط المغاربة. أما بالنسبة للأوروبيين فسجلت 19 إصابة، من بينها وفاة واحدة.

إلى جانب مراكش، استشرى وباء التيفوس بمدينة الدار البيضاء في شهر دجنبر 1937 واستمر إلى غاية يونيو 1938، ومنها انتشر في محيطها، خصوصا منطقة الشاوية ودكالة. وقدر كاليسو 10 آلاف حالة إصابة بالتيفوس خلال هاتين السنتين.

أما الكرة الثانية، فكانت خلال فترة الحرب العالمية الثانية ورافقها تفاقم أزمة غذائية وصحية عميقة “ولعبت مجاعة 1945 دورا تكميليا في هذا الاتجاه، فهيأت المغاربة جسميا لاستقبال مزيد من عبث التيفوس وفتكه”.

ومن بين أكثر المناطق التي سجلت حالات كثيرة، نجد منطقة تازة بـ176 حالة خلال سنة 1940. وفي سنة 1941، اشتدت وطأة الوباء ليبلغ مجموع الحالات 1666 بغرب المغرب وشرقه كما حصل سنة 1921. وخلال 1943، ارتفع عدد المصابين أكثر من السنة السابقة بنسبة 60 في المائة، ليبلغ 16 ألفا و190 حالة. ليتراجع خلال السنة الموالية إلى 3 آلاف و61 حالة، حسب إحصاء إدارة الصحة العمومية. ثم يعود بقوة خلال سنة 1945، والتي كانت من أقسى سنوات الجوع والبؤس والوهن، فبلغ عدد الإصابات 8 آلاف و158 حالة، تفرقت بين جل المناطق، كان أكثرها تضررا منطقة الشاوية ثم مراكش.

The post تيفوس وجذام وحمى .. أوبئة نهشت أجساد المغاربة إبان الحماية الفرنسية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/0QrhOD5

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire