تحتل الصّورة موقعا مركزيا في الخطاب الإعلامي المعاصر. مثلا نشرت وسائل إعلام صورا مرعبة عن متاجر فارغة في لندن. صور ملتقطة في “سوبر ماركت” في عاصمة الإمبراطورية التي لم تكن تغرب عنها الشمس… الإمبراطورية التي نهبت شعوبا كثيرة لقرون مديدة ثم تغير مسار التاريخ.
نُشرت الصورة في فبراير 2023 ونُسيت بسرعة لكن دلالتها تعمل يوميا في حياة البشر الذين خبروا الجوع لآلاف السنين… ويعيشه الآن حوالي مليار شخص، حسب تقرير للأمم المتحدة بلغ عدد الجياع في العالم 828 مليون شخص في عام 2021، وهو رقم مرشح للارتفاع في قارتي إفريقيا وآسيا.
تظهر الصورة كيف تبددت الوفرة وحلت محلها الندرة… يتسبب نقص الغذاء في ضغوط نفسية وأمزجة بشرية متشائمة، يتسبب في هجرات وفي حروب تذكر بالبدايات الخطرة، بداية الإنسان الصياد… ينجو من يتقن الصيد منذ آلاف السنين… صيد الرزق ليس سهلا… من يصطاد يصاب في الطريق… كلما كثر البشر وقلّ الأكل صار صيد الطعام صعبا… يقول كارل ماركس “إن تاريخ البشرية هو تاريخ البحث عن الطعام”. لم يلتفت الرفاق قط لهذا الشعار، وقد جاء الأوان ليكون على رأس جدول الأعمال.
جابت تلك الصورة المشؤومة صحف العالم. ماذا يمكن لصورة أن تقول عن مرحلة؟ لماذا هذه الصورة؟ لأنها صورة منتزعة مما يسميه رولان بارت “الثرثرة التقليدية” (رولان بارت، الغرفة المضيئة، تأملات في الفوتوغرافيا، ترجمة هالة نمّر، المشروع القومي للترجمة، 2010، ص 55) صورة تحتاج وقفة لأنه بدون طعام سينقرض البشر.
“نُذر الجوع” هذا هو عنوان الصورة الملتقطة في السوبر ماركت وهو المكان الأكثر جاذبية في المدينة. صورة تلخص ما قبلها وما حولها وما سَيلِيها… من هنا تنبع ضرورة التفكير في أنثروبولوجيا الجوع لفهم مستقبل ثمانية ملايير فم يحتاجون للأكل ثلاث مرات في اليوم.
إن تحليل صورة هو تمرين أساسي لتحليل صور فيلم. يتحدث رولان بارت عن ثلاثة مستويات لتحليل صورة: الجانب الإخباري الجانب الرمزي الجانب الانفعالي.
تخبرنا الصورة عن زبناء ذاهلين أمام رفوف المتاجر الفارغ في لندن.
وما دخل المغرب في هذا؟
لقد أوقفت الحكومة المغربية فجأة تصدير الخضر إلى بريطانيا خوفا من الاحتجاجات. صار اللحم الطازج والمجمد وأرْجُل الدجاج والطماطم والبطاطس موضوعا لنشرات الأخبار، صارت الخضر حدثا سياسيا. لقد ارتفع الموقع الطبقي للبصل في سلم وطبقات الخضر. حسب سعر صرف الدرهم صار كيلو بصل أكثر من دولار في العاصمة الرباط بداية 2023… لذلك تواضع وزير الفلاحة المغربي وصار يزور أسواق البصل لتهدئة الاحتجاجات الشعبية. ولهذا الاحتجاجات المحلية أبعاد عالمية.
فلكي يصدر المغرب الخضر قلل من زرع القمح فاضطر إلى استيراده. ما العلاقة بين قصعة كسكس في مطبخ مغربي وحقل قمح في شرق أوكرانيا؟
العلاقة هي أن السميد الذي قل في الأسواق تضاعف ثمنه… وكلما ارتفعت أسعار الطعام زاد شقاء البشر. هكذا تمددت الأبعاد الرمزية للصورة مع الحرب بين روسيا وأوكرانيا وسوء الأحوال الجوية ومشاكل النقل ونقص المحاصيل في إفريقيا وأوروبا… هكذا تختزل الصورة موضوع التحليل ما سمته جريدة “الباييس” الإسبانية “أسوأ ثلاث سنوات (2020- 2021- 2022) في تاريخ الاقتصاد الحديث”.
سيغير هذا من استراتيجيات الحكومات. اتضح أن التركيز على اقتصاد الخدمات سيجلب الجوع… لا يمكن الاعتماد على تأمين الإمدادات خارجيا… يجب على كل دولة الاعتماد على النفس لتأمين طعام شعبها. حين تحمي كل دولة حدودها وتوقف التصدير لتأمين احتياجات شعبها ستصبح العولمة في خبر كان.
سيكون لهذه الأزمة ما بعدها.
حين القيام بمقاربة أنثروبولوجية لمحتوى الصورة يظهر الجانب الانفعالي لوزن الجوع في حياة البشر.
تظهر جدالات الأسعار وأخبار انهيار الأبناك أن الإنسان حيوان اقتصادي يُنتج ويحسب ويدخر ويقتصد ليؤمن نفسه على المدى البعيد. دون هذا سيصير وجوده مهددا… الجديد أن صورة متجر فارغ أخطر من صورة بنك يفلس… لكن للإعلام السريع منطقه. تحظى صورة ممثلة بسيقان عارية على البساط الأحمر باهتمام إعلامي أكثر مما تهتم وسائل الإعلام بمظاهر الجوع… كيف ينعكس هذا على نمط عيش الناس؟ كيف يخبر الوجه عن جوع البطن؟
إن صور خطر الجوع ليست للمتعة، ليست صورة من باب “الفن للفن”، إنها صورة توثق لخطر وجودي.
لقد نتجت المجاعات السابقة عن الجفاف والجراد والغلاء والطاعون والكوليرا… لذلك يحضر الجوع في الأدب والسينما والرسم. يحتاج الفنانون وكتاب السيناريوهات إلى معرفة دقيقة بسياقات منجزهم الفني لكي يكون تأثيره عميقا.
تترك الندرة بصمتها في سلوك البشر. كتب ثيربانتيس في 1605م “الجوع والبؤس أعداء الحب” دون كيخوته ص 691. وعرض الفيلم الإسباني “بلاتفورم” (2020 إخراج غالدير غازتيلو وروتيا) تحولات مائدة تتنقل بين الطبقات وتجري حولها صراعات شديدة، ولا تبقى إلا الفضلات للطبقات السفلى.
ولهذا سوابق. يحكي سفر المُلوك الثاني الأصحاح السادس أن الناس جاعوا “حَتَّى صَارَ رَأْسُ الْحِمَارِ بِثَمَانِينَ مِنَ الْفِضَّةِ”، يحكي مناقبي مغربي في عام 1220م عن ولي صالح جاع فتوضأ وصلى ركعتين، فأذهب الله عنه الجوع والعطش. (ابن الزيات، التشوف إلى رجال التصوف، ص 126).
هذا جزء من تاريخ المغرب، لكن من يشاهد المسلسلات التاريخية التي تعرضها التلفزة المغربية سيتوهم أن تاريخ المغرب جرت وقائعه في رياض مفروش ملحق بفندق المامونية في مراكش… هذا تزييف للتاريخ. ومن باب التذكير لكتاب سيناريوهات مسلسلات تاريخية تجري في صالونات روى المناقبي المذكور أعلاه “أن وليا صالحا رأى مصليا غير متخشع فجاءه برغيف وقال له: خذ يا من ليس له هم سوى بطنه”. ص 86.
في سياق الجوع الراسخ في ذاكرة البشر روى المناقبي أن وليا صالحا آخر كان يسيح قرب البحر فشعر بالجوع وفورا قفزت إليه سمكة فأكلها نيئة لا مطبوخة.
هكذا أرغم الجوع خيال الراوي على ابتكار صورة انتحار السمك من أجل البشر.
The post صور "نُذر الجوع" في صحف العالم .. الامتدادات الاجتماعية والسياسية والفنية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/fvMIrV0
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire