هل التخلي عن الأدب ممكن؟ يجيب الناقد الأديب عبد الفتاح كيليطو بالإيجاب، قائلا في أحدث كتبه: “الأمثلة على ذلك معروفة، بل هناك مَن انفصل ليس فقط عن الكتابة، وإنما أيضا عن القراءة، واشتغل بأمور أخرى”، لكن هذا الجزم القاطع لا يعكس جواب ورقات الكتاب، التي تخلص مرارا ألا توبة، فعلية، عن الأدب، إلا بتطلّع لآخر، أو باندراج في موضوع آخر من مواضيع الأدب.
في كتابه “التخلي عن الأدب” الصادر عن منشورات المتوسط، يسجل كيليطو أن “التخلي” موضوع للأدب، بل قد يكون “ربما موضوعه الأساس، وقد يكون سرّ استمراره”.
أول نماذج كيليطو في إمكان التخلي عن الأدب من عدمه كان دون كيشوت “دون كيخوته”، الذي “كان الإخفاق دائما له بالمرصاد، غير أنه لا ييأس ويظل يسعى إلى إعطائها طابعا فعليا.. لا يفكّر في التخلص من الأدب، في التخلي عنه، لا يتصور أي مشروع حياة غير خاضع لقراءاته”.
لكن، في محطة لاحقة من الكتاب، يتحدث الناقد عن تخلّي كيخوته عن الأدب ومحاكاته وهو “على فراش الموت”… هكذا؛ “عاد إلى منزله مريضا، ليموت فيه (…) عاد إلى البيت، إلى رشده، بعد أن هام لمدّة طويلة في الطرقات والسبل، وساح في الأرض سعيا منه إلى إزالة سائر أنواع المظالم”.
لكن توبة بطل الرواية عن الفروسية لم تكن نصوحا؛ “فتوبته مصحوبة بندم مرير، بأسف شديد يتمثل في عجزه وقد أنهكه المرض عن الشروع في قراءات جديدة”؛ وبالتالي ودّ لو طالت حياته، في نهايتها، حتى “يعيش حياة أخرى، أن يقرأ أدبا جديدا”.
من جهته، لم يتخل أبو العلاء المعري إلى آخر رمق عن الأدب؛ ولو أنه أنبأ الناس باعتزالِهم لم ينقطع عنهم أدبُه.
أما أبو زيد السروجي في مقامات الحريري فقد تاب، بعد خداع، و”تخلى عن الأدب، الأدب الذي صُوِّر في المقامات كمصدر للإغواء والإثارة”، وترتب عن ذلك “الابتعاد عن الحياة الاجتماعية، عن لقاء الناس، عن الحديث إليهم”، ولم يتمسّك إلا بخطاب الوعظ والذكر؛ أي إنه “أخذ يخاطب نفسه، هو الذي كان الناس يفتتنون بكلامه في المحال العامة والمجال الخاصة”.
اختفاء الجمهور هذا “إيذان باختفاء أبي زيد”، وفق كيليطو؛ وإيذان بانقطاع اللقاء مع الحارث بن همّام في “المقامات”؛ لأن السروجي “لم يعد ينتمي للأدب” وبالتالي “لا شيء يمكن أن يروى عنه”.
لكن الحارث سيظل “راوي ما سمع من أبي زيد. لا يرغب في التخلي عن الأدب الذي أنذر نفسه له، لم يطلب كما فعل أبو زيد دعاءَ مواطنيه للتوبة منه. إن كان هناك من يتمنى أن يُبعث بأدبه فهو الحارث بن همام.. لم يتب على الإطلاق، وإلا لماذا يروي أدب أبي زيد؟!”.
ثم يُؤوّل كيليطو: “تنتهي مقامات الحريري بالتخلي عن الأدب باعتباره باطل الأباطيل، وظاهريا بالاشمئزاز منه وكراهيته، لكن التخلي عن الأدب داخل في مجال الأدب، يندسُّ فيه ويشكّل أحد مواضيعه، ضمنيا أو صراحة”.
من بين مواضيع أحدث كُتُب نقد كيليطو الممتِع الاعتراف؛ حيث يكتب: “اندهشتُ (…) من اطلاع بورخيس على الأدب العربي، فأقبلتُ على قراءته بانشراح وارتياح، وبطبيعة الحال يتضاعف اهتمامي حين يُذكَر اسم هذا المؤلف العربي أو ذاك”، ويتابع: “من الواضح أن القارئ لا يقترب من مؤلف، من كتاب، وهو صفر اليدين، إنه من بلد، من لغة، من زمن محدَّد، وله انشغالات وانتظارات، توقّعات وتصوّرات تكوّنت من خلال ما سبق أن قرأه، وعلى الأخص من خلال الأدب الذي نشأ في أحضانه”.
ويواصل الكاتب مسجلا أن القارئ المقبل على قراءة مؤلف جديد “يتوق إلى اكتشاف ما لم يكن يعرفه، شوق مصحوب بقلق مكتوم، لقاء مع عالم غريب لا يستطيع أن يتنبّأ بما سيُسفر التنقل في أرجائه؛ تظهر أمامه طرق مختلفة، ويقترن تخوُّفه من الضياع برغبة في أن يجد بعض ما يعلم وأن يطمئن شيئا ما.. لهذا، يترقّب أدنى علامة على ثقافته وهو يقرأ، على ما عاشه وجرّبه”، ثم يجمل بقول: “اشتغلتُ على بورخيس وحاولتُ عقد حوار معه، ولا أُخفي أنني شعرتُ بفخر واعتزاز بجانبه العربي: لقد تم الاعتراف بي على الرغم من أنه لم يكن يخاطِبني، وأنا ممتنّ له على ذلك، فكأن ما يجمعنا داخل في باب القُربى والنّسَب.. إنه ليس غريبا، أو إن غرابته في ألفته”.
في الإطار ذاته، خطّ كاتب “التخلي عن الأدب”: “المقطع الذي لفت اهتمامي بالتحديد في ‘الكوميديا الإلهية’ لدانتي هو ذلك الذي ورد فيه ذكرُ ابن سينا وابن رشد (…) تلك كانت تجربتي أيضا وأنا أقرأ رواية ‘ضون كيخوطي’ لثيربانتس”، ويستمر مفصّلا في مقطع لاحق: “أنسى العديد من التفاصيل في الكُتب ‘الأجنبية’ التي أقرؤها، لكن ما لا أنساه أبدا هو ما يرد فيها عن الأدب العربي”، ويحاول شرح هذا الأمر، فيذكر أن حاله هذه “كمن يكون خارج بلاده، ويسمع مصادفة كلاما بلغته وهو يَعبُر أحد الشوارع”.
ومن بين الأفكار المثيرة للاهتمام في تخلّي كيليطو عن الأدب تفسيره لعلاقته المتشنجة بقراءة “دون كيخوته” بكونه “قارئا ساذجا”؛ وهكذا فإن “خيبات الأمل المتتالية لضون كيخوطي تؤلمني، فهو يفشل دائما وحيثما حل في مساعيه، ويُصرّ الجميع على الاستهزاء به والضحك منه”.
ويثبتُ الكاتب تفسيره لهذا الموقف النفسي: “ربما، وبصفة غامضة، شعرتُ (…) بأن فشلَه المتوالي هو في العمق فشلُ الأدب، وهذا ما لم أكن لأطيقه؛ أن يوجد بون شاسع بين الأدب والحياة شيء لا يُحتمل بالنسبة إليّ في ذلك الوقت، وربما حتى اليوم”.
The post كيليطو و"التخلي عن الأدب" .. بحث عن الاعتراف ورفضٌ للمسافة بين الرواية والحياة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/M3jnC6J
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire