"المْعلم الرگراگي" .. عميد الحكواتيين المغاربة ينتظر ضمان العيش الكريم

دخل “المْعلم” الرگراگي الياسيني عالم الفن من بوّابة “الحلْقة” منذ عام 1948 في مدينة مراكش، حيث ولد في حي سيدي الزوين، ومازالت ذاكرته الخصبة، إلى اليوم، تختزن رصيدا هائلا من الحكايات الشعبية ومن “الكلام الموزون” الذي أبدعه على مرّ عقود من الزمن، كما أن قريحته مازالت تُسعفه على الإبداع، رغم أن عمُره جاوز قرنا بحوْلين.

لكن المْعلم الرگراگي الياسيني، المعروف وسط جمهوره بـ”القيرْع”، يعيش وضعية اجتماعية لا تليق بما قدمه للفن الشعبي المغربي على مدار خمسة وسبعين عاما، إذ لا يتوفر على أي معاش، أو مدخول قار، ويعيش فقط بما يناله لقاء مشاركاته في بعض المهرجانات، على نُدرتها، أو ما يجود به عليه معارفه؛ ويُجمل وضيعته بالقول: “أنا ضايع بزاف”.

بدأ مسار “عميد الحكواتيين” المغاربة على درب الفن الشعبي من خلال مرافقته “الرّْما”، وهم مجموعة من الرجال يخرجون في رحلات صيد تمتد من خمسة أيام إلى أسبوع؛ ينصبون خياما يقيمون فيها سهرات للترفيه لم يجدوا أي حكواتي وفكاهي شعبي ينشطها أحسن من الرگراگي… كان ذلك في الأربعينيات من القرن الماضي، حيث جالَ مختلف ربوع المغرب.

ولاحقا عاد “المْعلم” الرگراگي ليستقر في موطنه الأصلي: مراكش، وهناك شرع في نقش اسمه بحروف بارزة مازالت مدوّنة في صفحات الفن الشعبي المغربي إلى اليوم، انطلاقا من ساحة جامع الفنا الشهيرة، التي أبدع فيها، وأضحَك عشرات الآلاف في عروض مسرحية عفوية، كما قدم عروضا، خلال سنوات الخمسينيات من القرن الماضي، في قصبة الأوداية بالرباط، حيث يستقر حاليا، في حي يعقوب المنصور الشعبي.

ورغم وهَن العظْم فإن الرگراگي يؤكد أنه لا يزال قادرا على العطاء والإبداع، بنفس الحماس الذي كان يُبدع به إبان شبابه، ولكن تؤرقه وضعيته الاجتماعية، ويشعر بنوع من الغبن، لكونه أفنى عمره في حمل لواء الحكاية الشعبية المغربية غير أنه لم ينلْ مقابلا، كما يؤرقه مصير الرصيد الهائل من الإرث الشفهي الذي تختزنه ذاكرته، إذا لم يتم توثيقه في أقرب وقت قبل أن ينسحب شعاع الحياة.

ويعبّر الفنان الشعبي عمّا يمور في صدره بالقول: “الزين كيهرّسو الفقر والرّجلة كيهرّسها قْلّة الشي”، ويُسقط هذا المثل على نفسه قائلا، في حديث لهسبريس: “أنا فنان، وعندي مَنْگول، وكنبات بلا عشا بعض النوبات. ها الفن كاين وفين المدخول؟ كون نبيع غير خمسة د الكلمات يعيّشوني. خاص الفن ديالي يتسجل ونستافد. أنا عندي كنز والسلعة كاينة ولكني ضايع”.

وتتدلّى على صدر الرگراگي ميدالية معدنية صفراء وُشّح بها في إحدى دورات “مهرجان مغرب الحكايات”، هي كل ما لديه من “رصيد معنوي”، إضافة إلى شواهد تقديرية… يفتخر بميداليته المعدنية اليتيمة، كما يفاخر بالشواهد التقديرية التي نالها في مناسبات مختلفة وعددها 35 شهادة، لكنه لا يُخفي امتعاضه من عدم الالتفات إليه، ماديا، وإلى رصيده الفني المهدد بالانقراض، ويُقسم: “والله ما كايْن اللي يجيب ليا ريال واحد لا ما تْحرّكت، والكلام ديالي كيضيع”.

ويؤكد “المعلم” أنه لا يستجدي صدقة، بل مدخولا يخول له عيشة كريمة، ولا مانع لديه من أن يعمل لقاء ذلك رغم أن عمره جاوز مائة وعامين. “نديرو كونطرا، فيفْتي فيفْتي، أنا نعطي الكلام وهوما يخلصوني”، كما يقول، متسائلا: “لا أعرف لماذا لا يستدعونني إلى التلفزيون؟”.

ومنذ بداية مشواره يحرص الحكواتي المراكشي الشهير على إضحاك جمهوره، وفي الآن نفسه تمرير رسائل يستهدف بها الشباب بالخصوص، تتعلق بمختلف مناحي الحياة، كما أن لديه القدرة أيضا على التطرق إلى الأحداث السياسية والاجتماعية؛ يقول: “أنا معنديش كلام العيب ولكن عندي كلام الحياة. الكلام اللي بغيتيه كاين من عند الله. عطيت كلام فيه معنى للشباب، فيه معنى للزواج والحياة والصّْحبة. الناس كيجيو عندي كيديو الكلام، وكنفيّقهم باش ميبقاوش غافلين”، مضيفا: “خاص هاد الناس المكلفين (يقصد المسؤولين) يتهلاو فالفنانين بحالي، وميخليونيش نضيع، لا عطيت الكلام خصني شي بركة فالشهر”.

وبين خيام “الرّما”، وساحة جامع الفنا، وقصبة الأوداية، مازال صدى صوت الرگراگي الياسيني يتردد، “ولكن لا ما هضرت ما نتعشا”؛ يقول، مضيفا: “اللي سولتيه يگوليك القيرع فنان معروف. أنا معروف، ولكن غير بالسمية، والمادة والو”.

The post "المْعلم الرگراگي" .. عميد الحكواتيين المغاربة ينتظر ضمان العيش الكريم appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/jYhNWvz

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire