السقي الموضعي الباطني.. حل مبتكر "بديل" يقتصد استهلاك الموارد المائية بالمغرب

في ظل شح حاد في الموارد المائية تعاني منه المملكة جراء “الإجهاد المائي الهيكلي”، تطرح طرائق استعمال المياه المعتمدة في سقي المساحات والمناطق الخضراء تساؤلات عديدة بخصوص سؤال الفاعلية، وسط مطالب متصاعدة خلال السنين الأخيرة بـ”عقلنة وترشيد” السقي وطرقه الحالية التي قد تستنزف الماء الصالح للشرب.

ومع توالي سنوات الجفاف، ترتفع مطالب نشطاء بيئيين وخبراء وفاعلين، منادية بعقلنة تدبير الموارد المالية والبحث عن طرق مبتكرة بديلة غير مكلفة ماديا ولوجستيا في سقي المناطق الخضراء.

وفضلا عن الإسراع بالاعتماد على المياه العادمة المعالَجة، كما تم تجريبها في مدينة الرباط، يتجدد التفكير في ترشيد استهلاك المياه بالتنقيط عبر “السقي الموضعي الباطني”.

وإذا كانت المياه العادمة المعالجة بعد تدويرها حلا ممكنا لهذه الإشكالية، فإن ابتكارات بديلة برزت بقوة خلال السنوات القليلة الماضية وأعطت نتائج جيدة بعد تجريبها بمناطق ذات مناخ جاف (الجنوب الشرقي للمملكة)؛ وتتعلق بتقنية السقي المَوضعي الباطني (Goutte à goutte enterré ou Méthode d’Arrosage Sous-Sol) من أجل اقتصاد الماء في سقي المساحات الخضراء في المجالين الحضري كما القروي.

وتعد هذه التقنية المبتكَرة أكثر إلحاحا في الظرف المائي الراهن قصد إعمالها بمختلف حدائق المملكة من خلال اعتماد “السقي بالتنقيط في باطن الأرض”؛ وهي مسجلة، منذ عام يونيو 2009، باسم مخترعها الجيولوجي عمر بلمين ضمن شواهد الاختراع بالمكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية تحت رقم النشر MA 30449 B1، حسب ما اطلعت عليه هسبريس.

بلمين، المنحدر من جهة درعة تافيلالت، تحديدا إقليم زاكورة، تحدث لجريدة هسبريس الإلكترونية عن “مزايا كثيرة بكلفة منخفضة تتيحها طريقة السقي الباطني الموضعي”، متأسفا على عدم إيلائها الأهمية اللازمة من طرف مصالح ومسؤولي الجماعات الترابية التي تدبر الوضع المائي والفضاءات الخضراء، باعتبارها “توليفة بين دراسة المياه الجوفية وتزويد مياه الشرب”.

وأضاف الهيدروجيولوجي المغربي، الحاصل على إجازة في الجيولوجيا وماستر في أنظمة المعلومات الجغرافية، في حديثه، شارحا سياقات خروج هذه التقنية إلى حيز الوجود: “لقد ثابرتُ للبحث عن الحلول الناجعة لإشكالية الماء ببلادنا، لأنني في صغري لم أجد صنبورا مجهزا للماء الشروب كما وجده أبناؤنا اليوم؛ بل في سبعينيات القرن الماضي، من أجل شربة ماء كان الأمر يتطلب مني قطع مسافة عشرات الكيلومترات ذهابا وإيابا من منطقة “قصر نصراط” إلى بئر ‘عيشا عدي’ بحثا عن قطرة ماء، وهذا هو حال كل العائلات آنذاك؛ هذه المعاناة كانت المحفز الرئيسي للتخصص في ميادين الماء أثناء دراستي”.

مزايا وخصائص السقي الباطني

عدد بلمين، الذي يدير حاليا مكتب دراسات متخصصا في التنقيب عن المياه الجوفية والمعادن، أهم مزايا وخصائص “التقنية لعملية السقي تحت أرضي، في “السقي المباشر قرب جذوع الأشجار؛ ما يسمح باقتصاد كبير في استعمال الماء، وكسب نتائج أسرع من خلال إنتاج متميز وذي جودة عالية”، مع إمكانية استخدامها في تنويع سبل الري الفلاحي.

ومن أبرز مزاياها ضمان “عدم تعرض التجهيزات المستعملة للإتلاف أو لعوامل الطبيعة عبر حماية أجهزة التنقيط والسقي بآلية للتصفية لمحاربة الانسداد، مع ضمان نقص الأعشاب الضارة والطفيلية، وحماية البيئة”.

وتتمثل نسبة الاقتصاد في استهلاك الماء عبر السقي الموضعي الباطني بين 80 في المائة إلى 85 في المائة، حسب تجارب أجراها الباحث ذاته، مؤكدا على نجاعتها مقابل “اقتصاد 50 في المائة فقط من خلال تقنية السقي الموضعي العادي”، قبل أن يشير إلى استعمالها المحدود ضمن مشاريع ناجحة في جماعة محاميد الغزلان.

وأكد بلمين، ضمن حديثه مع هسبريس، أن “سقي المناطق الخضراء بحواضر المملكة ارتفع خلال السنوات الأخيرة مستهلكا آلاف الأمتار المكعبة من المياه التي تحتاجها هذه المناطق، فضلا عن معاناة سكان القرى في ظل شح مصادر الماء”؛ ما يجعل “الاقتصاد في الماء وحسن تدبيره مع الزيادة في الإنتاج وتحسين المردودية غاية ملحة يطمح إليها الجميع، والسقي الموضعي الباطني يعتبر من أنجع الحلول لإشكالية الماء وتدبير ندرته”.

ويشرح رئيس “جمعية بيئتي” أن “غيْرته على منطقته الصحراوية وعلى وطنه دفعته إلى المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة الحقيقية لإقليم زاكورة والوطن ككل”، لافتا إلى أن “هذا الاختراع جاء بناء على دراسات علمية للماء والتربة وللتغيرات المناخية المحتملة حسب المناطق”، معبرا عن أمله في تعميمه بعد التجارب والأشغال الميدانية الناجحة بالمناطق الأشد ضررا (مثل منطقة امحاميد الغزلان وتاكونيت).

إنها تقنية بالغة الترشيد في استعمال الماء للسقي، بحيث يوَجه الماء، عبر أنبوب أو قناة، إلى جذور الشجرة.

وعوَض طريقة الغمر التي يضيع فيها الماء على مساحة حوض الشجرة كلها يوجه الماء إلى الهدف مباشرة أي جذورها”، يخلص صاحب التقنية مؤكدا أنها “تساهم بتحسين المظاهر الخضراء للمدن، بشرط أشغال الصيانة”، مشددا على أنه “مشروع مواطِن بعيدا عن الحسابات التي يمكن أن يخضع لها”.

يشار إلى أن بعض الفعاليات قد عملت على توقيع اتفاقيات شراكة مع صاحب الفكرة والأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة الدار البيضاء والأندية البيئية بالمؤسسات التعليمية، وشراكة مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بأنفا – شراكة مع كلية العلوم –الحي الحسني – عمليات مع جماعة الدار البيضاء ومقاطعات أنفا وسيدي بليوط.

كما عمِل على تنفيذ المشروع بمجموعة من الواحات “تاكونيت وكتاوة”، وعمليات تطبيقية بمجموعة من المؤسسات التعليمية بمدينة الدار البيضاء.

The post السقي الموضعي الباطني.. حل مبتكر "بديل" يقتصد استهلاك الموارد المائية بالمغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/0exZKjg

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire