المصباحي يقرأ لحظة استقبال المنتخب.. شيء من "الفناء" وغيرة سياسيين

“شيء من الفناء” شاهده المفكر والأكاديمي محمد المصباحي في حفل استقبال الجمهور المغربي للفريق الوطني لكرة القدم القادم من قطر بعد بلوغه نصف نهاية كأس العالم، قائلا في تصريح لـ هسبريس: “غريب كل هذه الجحافل من الناس، كأن أمة جديدة انبعثت من جديد، وأتصور أن هيجان الناس عندما يظهر اللاعب حكيمي فوق حافلة المنتخب قد يخلق غيرة عند السياسيين”.

ولتفسير معنى الفناء، استحضر المصباحي قصة تاريخية حكاها ابن عربي في “الفتوحات المكية” عن استقبال جماهير مدينة فاس للسلطان أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي على إثر انتصاره في معركة الأرك سنة 1195 على قوات ملك قشتالة ألفونسو الثامن.

وتابع مقتبسا: “أخبرني الأستاذ النحوي عبد العزيز بن زيدان، بمدينة فاس، وكان يُنكر حال الفناء، وكان يختلف إلينا، وكانت فيه إنابة، فلما كان ذات يوم دخل علي وهو فارح مسرور، فقال لي: “يا سيدي، الفناء الذي تذكره الصوفية صحيح عندي بالذوق، قد شاهدته اليوم. قلت له” كيف؟ قال: ألستَ تعلم أن أمير المؤمنين دخل، اليوم، من الأندلس إلى هذه المدينة؟ (…) اعلم أني خرجت أتفرج مع أهل فاس، فأقبَلت العساكر، فلما وصل أمير المؤمنين ونظرت إليه فنيت عن نفسي وعن العسكر وعن جميع ما يحسه الإنسان، وما سمعت دوي الكوسات ولا صوت طبل مع كثرة ذلك، ولا البوقات ولا ضجيج الناس ولا رأيت ببصري أحدا من العالم جملة واحدة سوى شخص أمير المؤمنين. (…) فتحققت أن الفناء حق، وأنه حال يعصم ذات الفاني من أن يؤثر فيه ما فني عنه”.

وعلق المصباحي: “كنت أعتقد فيما سبق أنه بدون مكابدة هذا الفناء الشهودي عن الذات وعن العالَم لا يمكن للإبداع أن يطاوع من يحترف صناعة الشعر والفن والفلسفة والكتابة عموما؛ لكن، بعد مشاهدتي للفريق الوطني في معاركه الضارية مع الفرق الأخرى العملاقة، تبين لي أنه، بالضبط، لولا فناء لاعبي كرة القدم المغاربة في لعبتهم لما استطاعوا أن يحققوا انتصاراتهم. فبدون الفناء لا يمكن العطاء! الفناء في العمل-اللعب شرط ذاتي للانتصار، سواء كان موضوعه الخلق النظري أو الإبداع العملي”.

وفي تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، ذكر المتحدث أنه “إذا فهمنا الفناء بالوحدة بين الذات والموضوع، واختفاء كل ما بينهما، مما يسمح بالخروج من الغفلة إلى الذكر ومن الوحشة إلى الأنس؛ فما شاهدناه شعب ينبعث عن غفلته، ويأنس بالمنتصرين، ويحتفي بالانتصار على الغفلة والانتصار على تجاهل الوطن، فيُستحضَر الوطن في انتصار جزئي، ترجمته الجحافل اللامتناهية بـ”الانتصار”.

وتابع: “إذا كان الفناء هو الوحدة، فقد حققنا وحدتين؛ أولاهما: وحدة مغربية باكتشاف هوية وطنية تجاوزت الهويات الصغرى الضيقة، وثانيتهما: وحدة عربية ووحدة إسلامية، حيث كنا نشعر بوحدة في العالم العربي وأقطار العالم الإسلامي تلاشت معها الحدود الجغرافية والسياسية وأضحى الإنسان لا يشاهد إلا شيئا واحدا هو الانتصار والعزة والانبعاث وتحقيق الذات”، ثم أجمل قائلا: “هذا شعور رائع، ومن أجمل ما يمكن أن يعيشه الإنسان”.

The post المصباحي يقرأ لحظة استقبال المنتخب.. شيء من "الفناء" وغيرة سياسيين appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/Ng0pOEA

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire