جائزة نوبل للأدب تتوج الفرنسية أني إرنو .. كتابة المجتمع بمداد الذات

تفاعلا مع نيل الكاتبة الفرنسية أني إرنو جائزة نوبل للأدب 2022، قال مبارك مرابط، الذي ترجم عددا من كتب أني إرنو، إنه لم يُفاجأ بنيلها هذه الجائزة؛ لأنها “من بين أكثر كتاب جيلها عمقا، وكتاباتها تحظى دائما بترحاب نقدي كبير، وكثيرا ما كانت مؤلفاتها موضوعا للدراسات الرصينة والأطاريح”.

وأشار مبارك مرابط، في مقال له بعنوان “جائزة نوبل 2022 تتوج الكاتبة الفرنسية أني إرنو.. كاتبة تكتب المجتمع بمداد الذات”، إلى أن “المثير في مؤلفات أني إرنو أنها ليست رواياتٍ بالمعنى التقليدي ولا سيرة ذاتية كما درجنا عليها، كما أنها بعيدة عن كونها مجرد تأملات مشبعة بحس سوسيولوجي لا تخطئه العين”.

وبعدما أوضح مرابط أن “ما تكتب أني إرنو ينفلت عن التصنيف، فهي تنشط في البرزخ الذي يفصل بين الرواية والسيرة الذاتية والسوسيولوجيا والأنتروبولوجيا الحديثة”، أكد أنه “من ميزات نصوص إرنو، التي كتبت عن كل شيء في حياتها، أنها تدفع المرء إلى الغوص في ذاته والعودة إلى كل تلك الوقائع التي مرت عليه ولم يُقم لها وزنا حين حدوثها”.

هذا نص المقال:

شخصيا، وبحكم تجربتي مع كتابات أني إرنو (ترجمت ثلاثة منها “الشاب” و”مذكرات فتاة” و”العار”، وأشتغل على عمل رابع، “السنوات”، وقرأت لها وعنها كثيرا) لم يفاجئني نيلها نوبل الأدب 2022، ولم أكن أتوقعه في الآن ذاته! لم أتفاجأ بظفرها؛ لأنها من بين أكثر كتاب جيلها عمقا، وكتاباتها تحظى دائما بترحاب نقدي كبير، وكثيرا ما كانت مؤلفاتها موضوعا للدراسات الرصينة والأطاريح.. ولم أتوقع فوزها، لأنها بكل بساطة لم تكن قط متحمسة لهذه الجائزة الأرفع في مجال الأدب؛ بل إنها صرحت، منذ شهور معدودة فقط (في يونيو الماضي) لصحيفة سويسرية، بأن الجائزة “ضاغطة” أو “ساحقة” (ecrasante)، وأن الحصول على نوبل “ليس هو ما أسعى إليه”. إذن، فنوبل هي التي سعت إليها؛ لأن القائمين عليها لمسوا في إبداعاتها تميزا يستحق الإشادة والتتويج.

في تعليلها، قالت الأكاديمية السويدية، أمس الخميس، إنها منحت الجائزة الرفيعة لأني إرنو لـ”الشجاعة والدقة الكلينكية اللتين أماطت بهما اللثام عن الجذور والاغتراب والقيود الجماعية المحيطة بالذاكرة الفردية”. والحق أن كتابات إرنو تسائل الجذور وتعكس اغتراب الكائن في بيئته ووسطه الاجتماعي، وترصد كل تلك القيود الجماعية، الظاهرة والخفية، التي تسيج الذاكرة الفردية.

في كل مؤلفاته، وعددها حوالي عشرين كتابا على مدى خمسة عقود، (من “الدواليب الفارغة” (1974) إلى “الشاب” (2022)، مرورا “المكان” (1983) و”شغف بسيط” (1993) و”العار” (1997)، و”الحدث” (2000) و”التيه” (2001) و”الاحتلال” (2002) و”السنوات” (2008) و”مذكرات فتاة” (2016) وغيرها كثير)، تغرف إرنو مادتها الخام من معيشها الحميمي ومحيطها الأسري. تلتقط دائما حادثا عاديا أو مبتذلا من الحياة اليومية وتنسج منه وحوله نصا سرديا قد يبدو بسيطا في لغته، ولكنه يغوص عميقا في الذات لترصد تقلباتها، وفي المجتمع لتتعقب تحولاته، في الذاكرة لتقف على إشكالاتها. كما فعلت، مثلا، في آخر أعمالها “الشاب” حيث تحكي مغامرتها مع طالب يصغرها بحوالي ثلاثين سنة، ومن خلالها ترصد أثر الزمن وعنف المجتمع.

نشأت أني إرنو في وسط عمالي متواضع في منطقة نورماندي (شمال غرب فرنسا)، في وقت كانت فيه فرنسا بالكاد تخرج من الحرب العالمية الثانية، وترعرعت وسط أسرة بسيطة كانت فيها الأم محافظة والأب عنيفا. وكان الثلاثة يعيشون في غرفة واحدة في الطابق العلوي لبناء كان في الآن ذاته يضم بقالة ومقهى شعبيا في بلدة متواضعة ومملة تسمى “إيفتو”. ثم درست الأدب في جامعة “روان” قبل أن تحصل على الدكتوراه وتصبح أستاذة.

والوسط الذي ترعرعت فيه هو الذي حفزها على الكتابة، وشحذ عينها الصقرية التي تدربت على التقاط التفاصيل الدالة في ذاتها بالخصوص. ولكنها لا تسعى إلى كتابة ذاتها كما تقول في يومياتها؛ بل “أنا أوظفها، وأوظف الأحداث، العادية عموما، التي مررتُ بها، كما أوظف المواقف التي واجهت والعواطف التي غمرتني، كمادة للاستكشاف بغاية القبض على.. أو كشف شيء يرتقي إلى مستوى الحقيقة الملموسة”.

في الحقيقة، لا تغوص أني إرنو في “أنا”ها الشخصية الحميمية فقط؛ بل إنها تسبر، من خلال هذا الغوص، أعماق محيطها الاجتماعي وتعمل على تفكيك، أو على الأقل إدراك تلك القوانين والقواعد التي تسري، بنعومة صارمة وصرامة ناعمة، في المجتمع الذي ترعرعتْ في كنفه. إنها تجمع في كتاباتها بين “الأنا” الحميمي شديد الخصوصية و”الأنا” الجماعي الذي يمثل طبقة اجتماعية بكاملها، بسلاسة وانسجام ممتعين وبالخصوص نادرين في مجرة الأدب.

والمثير في مؤلفات أني إرنو هو أنها ليست رواياتٍ بالمعنى التقليدي ولا سيرة ذاتية كما درجنا عليها، كما أنها بعيدة عن كونها مجرد تأملات مشبعة بحس سوسيولوجي لا تخطئه العين. إنها كتابة تنفلت عن التصنيف؛ فهي تنشط في البرزخ الذي يفصل بين الرواية والسيرة الذاتية والسوسيولوجيا والأنتروبولوجيا الحديثة.. تتحرك في البرزخ الذي يجمع الذات والمجتمع، الزمن والذاكرة، الأنا الفردي والأنا الجماعي..

إنها كتابة خاصة تعتبرها إرنو سكينا تشرح بها، بجسارة الجزار ودقة الجراح، حياتها الحميمية والأوضاع الاجتماعية في بلادها. مثلا، في نص مثل “العار”، نكتشف بفضل هذه الكتابة الخاصة، من خلال حادث حميمي، كيف كانت حياة الناس، في فرنسا القروية والمحافظة جدا آنذاك، تخضع لقواعد اجتماعية صارمة وقوانين دينية كاثوليكية متشددة، ولكنها قواعد وقوانين تعرف كيف تكون ناعمة ومقبولة من طرف الجميع.

ومن ميزات نصوص إرنو، التي كتبت عن كل شيء في حياتها، أنه تدفع المرء إلى الغوص في ذاته والعودة إلى كل تلك الوقائع التي مرت عليه ولم يُقم لها وزنا حين حدوثها، خوفا أو خجلا أو جهلا، أو لامبالاة فقط، ليكتشف أن الكتابة الصادقة والمبدعة تحول الحوادث، المؤلمة والمبتذلة على حد سواء، إلى لوحات تفور حياةً.

تقول لنا أني إرنو، في كل كتاباتها الإبداعية، إن كل حياة مهما بدت مخجلة أو مبتذلة أو لا أهمية لها، تخفي في طياتها جواهر مشعة تحتاج منا إلى إتقان فن التنقيب وفن نفض الغبار عنها ثم صقلها لتستعيد كل إشعاعها. وهي تقول في “مذكرات فتاة”: “ما يهم ليس ما يحدث لنا؛ بل ما نصنع بما يحدث لنا”.

The post جائزة نوبل للأدب تتوج الفرنسية أني إرنو .. كتابة المجتمع بمداد الذات appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/eFn1frh

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire