الراحل الحسين الميلودي .. "مبدع ممسوس" يبحث عن التوازن بالفن التشكيلي

تجربة رمزية متفردة في المشهد التشكيلي، تبقى شاهدة على عطاء الفنان الحسين الميلودي، الذي رحل عن دنيا الناس في سنته الـ73 تاركا عوالم كاملة أبدعها.

فريد الزاهي، أكاديمي وناقد فني، قال إن الميلودي “فنان لم يأخذ حقه من الشهرة ومن القيمة التي حظي بها مُجايلوه”، ولو أنه كان “استمرارا مميزا لتجربة الشرقاوي أو تجربة “العلامة”، حول كائناته الصغيرة إلى علامات بصرية، واستطاع أن يتميز في هذا المضمار، بل حتى القريبون منه مثل أكزناي لم تكن لهم صرامته في التعامل مع عوالمه الخاصة”.

وأضاف الزاهي في تصريح لـ هسبريس: “هو إنسان بدأ بالكاليغرافيا (فن الخط) وكان يشتغل بشكل هندسي على العلامة الحَرفية، ثم خلق علاماته التي هي كائنات صغيرة متشذرة متطايرة متناثرة بشكل منسق، تنفتح على أسئلة وجودية”، ثم زاد: “لقد كان روحانيا، وكان منعزلا بشكل كبير، لا يعاشر زمرة الفنانين، وكانت له علاقة عميقة بمدينة الصويرة إلى درجة أن مرسمه كان في سورها مطلا على البحر، وهو ابن مدينتها القديمة”.

وتابع الزاهي: “علاقته بأمه واضحة جدا، وعندما بدأت تمرض وتوفيت خلقت له خلخلة أدخلته في متاهة إبداعية، ونوعٍ من الإحباط الوجودي في الوقت نفسه”، واستحضر في هذا السياق منحوتة رآها لديه هي “شبح امرأة ببطن مبقور”، قبل أن يعلق بقول: “العلاقة بالأم تفسر إبداعه وعزلته”.

وتأسف الناقد لأن اسم الحسين الميلودي “لم يعد يُذكَر منذ عشرين سنة”، وواصل: “ربما ظهرت أسماء أخرى، وهو كان في الجيل الوسط جيل فؤاد بلامين، الذي جاء بعد جيل الشرقاوي ومحمد المليحي وفؤاد بلكاهية”، ثم أجمل قائلا: “تجربته متفردة، لها مكانتها، أراد من أراد وكره من كره”.

من جهته، تحدث مهدي قطبي، رئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف، عن شخصية الراحل الذي “كان كريما جدا، لطيفا بعمق، وفنانا بتواضعٍ يُذَكر بالفنانين الكبار الذين يتركون أثرا في عالمنا قبل الرحيل”.

وذكر قطبي أن الميلودي قد “قام بالكثير من أجل تسليط الضوء على مدينته الصويرة”، قبل أن يختم تصريحه بالتذكير بأن متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر “في كل معارضه الكبرى حول التشكيل المغربي، كانت أعمال الحسين الميلودي حاضرة”.

شرف الدين ماجدولين، ناقد وأكاديمي، وصف الحسين الميلودي بكونه “أحد رموز بدايات الحركة الرمزية المغربية”، وأضاف: “له طابعه الخاص في هذا السياق، إذا وضعناه بجانب تجربة عيسى يكن، هو من الأوائل الذين وظفوا الرمز في أبعاده التي تحاول أن ترصد الفجيعة الداخلية للشخص”.

واقترب ماجدولين في تصريح لـ هسبريس من منبع إبداع الفنان الراحل، قائلا: “لقد كان شخصا ممسوسا مختَرَقا بالشكوك، يعيش حالة قلق داخلي مستمر، وهو ما كان دافعا له لتجريد عدد كبير من الرموز التي بدت لنا ككائنات غرائبية أحيانا، وبدت كانشطارات وجداول ورموز مأخوذة من حضارات قديمة من الحضارة الفرعونية إلى الحضارات الأمازيغية، وكان يبحث دائما عن توازن، وفي هذا الأمر هو شبيه بـ عباس صلادي؛ لذلك، كان يبدو لنا وكأنه ممسوس يبحث عبر الفن عن توازن ما”.

لكن “هذا الارتهان إلى العوالم الرمزية هو الذي جعل تجربة الحسين الميلودي فريدة من نوعها”، وفق الناقد، الذي تابع متحدثا عن “الحركة الرمزية المغربية” التي ابتدأت منذ الشرقاوي، واستمرت مع بلكاهية والمليحي، قبل أن ينبه إلى أن “هذا الثلاثي كان شيئا مختلفا عن المسار الذي اختطه الميلودي لنفسه، رغم أنه جاء في مرحلة ثانية، سوف تشكل رعيل الرمزية المغربية”.

واسترسل شرف الدين ماجدولين مفصلا في ما ميز تجربة الراحل من “تنوع” و”غنى” بصما المشهد التشكيلي؛ فـ”لا يمكن المرورُ مرورَ الكرام على أعماله، ويمكن التوقف عند كل منها وكل مرحلة من المراحل التي اختطها لنفسه؛ إلا أنها عموما موسومة بالكائنات الغرائبية والانشطارات والتنويعات الرسمية وغيرها”، وهي “سَنن تبليغي” امتلكه الفقيد “لإيصال معانٍ طارئة”.

The post الراحل الحسين الميلودي .. "مبدع ممسوس" يبحث عن التوازن بالفن التشكيلي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/C8tp7BY

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire