تنشر شابة عشرينية صورا عن حياتها البهيجة على صفحة أنستغرام حيث ستجري المذابح القادمة (سلسلة “أنت”-You، ابتكار غريغ بِرْلانتي وسِرا غامْبل، 3 مواسم بين عامي 2018 و2021). تستمتع مع صديق عابث غني يحتقرها وتحلم بأن تصير شاعرة بمساعدة أستاذ من فصيلة “الخدمات المسبقة مقابل الامتيازات”، تشتري كتبا في نيويورك. وهنا تلتقي جو (أداء بين بادْجلي)، تجذبه بابتساماتها السخية كطُعم في شص وترى نفسها مثل بطلة فيلم “Pretty in Pink” (1986) للمخرج هاوارد دويتش.
كان جو شابا يدمن الأدب ويعرف تفاصيل سلوك الوحش في رواية فرانكشتاين 1818، بينما كانت الشابة تعيش واقعا صعبا غير مطابق لصورها على أنستغرام. كانت سطحية، وكان عميقا يحلل سوداويته بواقعية مريرة…
كان هو بطلا مستلا من روايات دوستويفسكي في تركيبته النفسية المظلمة… مثقف كبير يقدس الكتب ويعتبر المكتبة هي معيار تميز البشر عن القردة. إنه شاب عتيق الطراز، بطل مطابق لذاته، لا يبذل أي جهد لكي يبدو للغير كأنه شخص آخر، فضولي خبير بالأمزجة السيئة… كل مرة يتصرف بنية حسنة تكون النتيجة كارثية… يقع في حب فتيات مهووسات بمواقع التواصل الاجتماعي ويعرضن تفاصيل حياتهن الشخصية على الغرباء. يختار القارئ العاشق فاتنات طموحات جدا، ويفعل أي شيء ليحتفظ بهن. ولهذا كلفة رهيبة، من هنا نبع التشويق.
جو بطل يتقدم في كل الظروف، مع الزمن ضعفت عزيمته وهو يتذكر طفلا مرعوبا في ممرات فندق رباه حارس سجون سوفياتي… بنى السيناريو توازيا بين طفولة البطل ورجولته، بعد الحلقة 16 صار جو ينظر إلى الوراء، يسترجع ذكريات من بيت الأب الميت، يفترض أن يفسر ماضي الشخصية حاضرها، طفل ثم رجل يبحث عمن يحبه لتتحقق سعادته… وفي رحلة البحث الصادقة هذه يرتكب جو حماقات ضرورية. مجرم يتحرك بسلاسة في فضاء بلا حواجز في زمن البصمات والكاميرات التي تقرأ الوجوه، يتصرف بحرية كأن الشرطة غير موجودة.
كان الموسم الأول من سلسلة “أنت” عن فن الرواية، والثاني عن فن السينما، والثالث عن محنة حب الأسرة الذي تم تحقيقه ببيع الروح للشيطان. (“فاوست” لغوته، 1808 و1832)، في الجزء الثالث يعود جو ليكتشف انبعاث القيم القبلية في أرقى حي في أمريكا.
إن جو قارئ نموذجي يدير مكتبة، يملك نظرة بانورامية عن رواية القرن التاسع عشر. جو قاتل متسلسل يحركه حافز نبيل، يخشى عقوبة البوليس أكثر مما يخشى الله… يرحل إلى لوس أنجلوس ويتعلم استخدام الهاتف أكثر من الكتاب… هنا يحتل البحث في غوغل والتواصل بالهاتف مساحة كبيرة في السيرة… تجري الحوادث على الهاتف… هنا يكذب الأفراد ليجعلوا حياتهم تبدو أجمل… في لوس أنجلس يظن الناس أن الفن يوجد في الأفلام لا في الكتب، ينشرون سيرهم على مواقع التواصل بحثا عن النجومية أو للانتقام من الآخرين.
“لن تحصل على موعد… ليس لديك ما تُقدمه… الوصفة هي خليط من الموهبة والعمل المستمر لتطوير السيناريو… هذه الوصفة لا تملكها… لديك أفكار ولكن ليس لديك ما تقوله…”.
هذا هو المشهد الذي وقف عليه جو في لوس أنجلس بعد أن هجر نيويورك. ما أصعب أن يتدحرج الفرد في عالم الفن زمنا ليكتشف بنفسه وبألم وفي حالة سكر بأنه بلا موهبة.
كان القارئ النموذجي يدير مكتبة، جاء ليعيش في هوليود ويحلل العالم الجديد بمعجم السينما ورطانة مواقع التواصل الاجتماعي.بصاص بمنظار كبير، يستخدم الرؤية من خلف، يعرف كل شيء، يعلم ما يدور في ذهن الشخصيات، مطلع على التفاصيل… يحقق حتى في سيرته.
في الموسم الثاني (الموسمان الأول والثاني مقتبسان من أول روايتين في ثلاثية الكاتبة الأميركية كارولاين كابْنِس، الصادرة عام 2014، بينما الموسم الـ3 مكتوب مباشرة للسلسلة)، تغير المكان وشخصيات الطوق المحيطة بالبطل، سواء كانت صديقة أو عدوة. نكتشف الشخصية الرئيسية ومكان عملها وشخصيات الطوق، وهي العشاق والصديقات اللواتي يعبرن عن آرائهن الصادمة في أولئك العشاق.
في المسلسل راوٍ تقليدي عالم بكل شيء، يسخر من بطل الرواية الفكتورية… مسلسل بعمق أدبي… تصير فيه الكتابة علاجا… بائع كتب يكتشف عوالم مواقع التواصل الاجتماعي بسلاح رواية القرن التاسع عشر… أي بعلم الاجتماع وبعلم النفس وبالراوي العليم المفسر… بصاص سوسيولوجي مهيمن، يصير هذا أكثر عمقا حين يعير الراوي صوته العارف للشخصية لتحلل نفسها وتقوم بنقد ذاتي… يحلل العلاقات الاجتماعية في حوارات هي مزيج من مونولوج العقل الباطن وردود فعل العقل الواعي… حوارات تصادم ما يروج سرا في ذهن الشخص وما يقوله… يتم كسر العادي بجمل لا ينبغي قولها، مثلا “يُخرج الزواج من البشر أسوأ ما فيهم”.
هل هذا مدح للزواج أم إدانة له؟
هذه ليست مطاردات مسلسل “لاكاسا دي بابيل” ولا مسابقات مسلسل “لحبة الحبار”. بخلاف المسلسلات التقليدية في التلفزيون، فإن بعض مسلسلات منصات المشاهدة تتحرك في خلفية ثقافية عميقة… وهي موجهة لنخبة متعلمة وليس لربات البيوت.
عامل مكتبة فقير يعرف الكتاب الذي أخذ منه أي استشهاد، يعشق بنت أغنياء، لذلك يتحمل حماقات شقيقها المراهق… يقامر بكل شيء وينجو، يراقب عشاقا مذلين مهانين بسبب الخيانات…
يهدي جو طفلا رواية تحكي عن بطل يشبه سلوكه، شرير يُحب ويستخدم معرفة أدبية ونفسية عميقة في أعماله… يتعامل مع طبيب نفسي لا يقرّ بأن الوعي والعقل هما أساس الوجود، طبيب له ملامح سيغموند فرويد صار مؤمنا مسيحانيا بشدة في السجن.
بطل يقدس رواية “مرتفعات ويذيرنغ” (1847) لإيميلي برونتي. تستلهم حلقة “العيش مع العدو” في مكان ضيق رواية “الكونت دي مونت كريستو” (منشورة على حلقات بين عامي 1844 و1864) للفرنسي ألكسندر دوما. ينشط جو كثيرا في قبو يذكّر بما جرى في قصة “سقوط منزل آشر” (1839) لإدجار ألآن بو… تبدأ الحلقة العشرون باستشهاد للروائي الروسي فيدور دوستويفسكي في مسلسل عن قارئ نموذجي يدير مكتبة…
تهمّه رفقة الكتب أكثر من رفقة البشر، يفهمهم ويصنفهم، يساعد جو كاتبة تبني مجدها الأدبي على آلامها لأن والدها الرهيب مات… تقتل والدها وهو حي لتكتب… التفكك الأسري في أشد حالاته، وتترتب عنه جريمة وعقاب. يليق بمن يشاهد المسلسل أن يتهم دوستويفسكي بأنه ارتكب الجرائم التي رواها في كتبه.
إن “أنت” مسلسل مصور بجودة فيلم سينمائي يتحسس الجحيم الكامن في أرواحنا. فيه حلقات تطرح الأسئلة وحلقات تجيب… وهذا يضمن تماسك المواسم والحلقات. يعفي الثراء الأسلوبي الناقد من التركيز على الموضوع الموسوعي الذي يشبه نهرا متدفقا. مسلسل مشبع بالتناص الأدبي والسينمائي. دون تناص، تصير الحكايات والأفلام سطحية.
The post مسلسل "أنت".. "نيتفليكس" تستلهم أسلوب رواية القرن التاسع عشر appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/gzbiQAS
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire