تعود بدايات قصر المؤتمرات بمراكش إلى عهد الملك الراحل الحسن الثاني الذي كان وراء فكرة بنائه خلال ثمانينات القرن الماضي. ولإنجاز هذه المعلمة التي تزخر بالإبداع المغربي، كلف الملك الراحل المستثمر بالقطاع السياحي عبد الهادي العلمي، الذي تحدث عن المصاعب التي واجهها هذا المشروع واعتبرها بمثابة أمواج عاتية كادت أن تعصف به، لكن إرادة الأمل انتصرت، فكان القصر الذي شكل تحفة معمارية بما يتضمنه من زخرفة ونقش مغربي أصيل على أبوابه ونوافذه.
هذه المعلمة التي شكلت نقطة تحديد مصير مراكش لتكون عاصمة عالمية للسياحة، أضحت محاطة بفنادق، آخرها الفندق الذي يساهم فيه لاعب كرة القدم البرتغالي كريستيانو رونالدو، والذي فتح بجواره شارع “M avenue” الذي يضم فضاءات ثقافية وفنية ومطاعم ومقاه رفيعة ستشكل منه أهم المزارات التي ستميز المدينة وتعزز مكانتها كوجهة مفضلة للسياح بزخارفها وفسيفسائها من الفن المعماري المغربي الأصيل.
فما هي أسباب نزول هذا المشروع؟ وما قصة هذا القصر؟ وهل كان المغرب يتوفر على الأطر التي يمكنها بناء هذه المعلمة؟ وما هي العراقيل التي واجهها من طرف “القتلة الحقيقيين”؟ وكيف تم تمويله وتوفير عقاره؟ تلكم أسئلة ستوجه هذا الربورتاج الذي يسعى إلى الكشف للجيل الجديد عن قصر المؤتمرات الذي يتوسط شارع محمد السادس بمراكش، والذي احتضن مؤتمرات دولية خلال مرحلة التسعينات وما يزال.
سياحة المؤتمرات
لم تكن طريق إنجاز “قصر المؤتمرات” مفروشة بالورود، لأن المصاعب التي واجهها كانت بالجملة، بحسب رواية المستثمر بالقطاع السياحي عبد الهادي العلمي، الذي رأى النور بأحد أحياء فاس العتيقة حيث تلقى تعليمه الأولي قبل أن ينتقل إلى كوليج مولاي إدريس وينتهي به المطاف إطارا بوزارة المالية، ما أكسبه تجربة مهمة وأهله لتقلد منصب المدير العام لشركة “المغرب السياحي”.
جمال السعدي، قيدوم المرشدين السياحيين بمدينة مراكش، أوضح أن لهذه المعلمة قصة غنية وجذابة، موردا أن مدينة أكادير هي التي كانت تشكل وجهة سياحية تستأثر بالاهتمام وتجذب السائح الأجنبي، لكن الملك الراحل الحسن الثاني كان له رأي آخر؛ إذ فضل بناء قصر المؤتمرات بمدينة مراكش الجميلة لكونها معروفة لدى الجميع كإحدى عواصم التراث المغربي، وقصور المؤتمرات يجب أن تكون في مدن بهذه المواصفات.
وقال السعدي في تصريح لهسبريس: “لأن القرار ملكي، واقتراح عاصمة النخيل لاحتضان هذا القصر يحتاج إلى عقار مناسب لم يكن يتوفر بمقاطعة جليز حينذاك، جعل رئيس جماعة مراكش حينها، الاستقلالي محمد الوفاء، يعقد اجتماعا للبت في الموضوع، أسفر عن الاتفاق على أرض للجماعة تضاف إليها قطعة أرضية تابعة لنادي الكوكب المراكشي لكرة القدم لبناء قصر المؤتمرات، واستقبال تظاهرات دولية به، ما جعل مراكش تعرف بسياحة المؤتمرات وتصبح أول قطب سياحي”.
وأضاف المرشد السياحي ذاته أن “قصر المؤتمرات سيزداد رونقا وجمالا إثر افتتاح شارع M avenue، المنفتح على المؤسسة الفندقية الجديدة التي يعود تمويلها إلى المستثمر المغربي نبيل اسليطين ويساهم فيها اللاعب الدولي البرتغالي كريستيانو رونالدو، بعلامة سلسلته الشهيرة CR7، وينتظر أن تنطلق خلال شهر نونبر المقبل، وأن تلعب دورا كبيرا في إخراج المدينة الحمراء من أزمتها الخانقة بسبب جائحة كورونا”.
قصر الأحلام والمتاعب
وعن هذه المعلمة، قال المستثمر بالقطاع السياحي عبد الهادي العلمي: “استحوذ مشروع قصر المؤتمرات على كل اهتمامنا وأدخلنا في طريق بدت معبدة ومنبسطة لكن تحولت إلى نفق مكيف مضيئ انتهى إلى دهليز مظلم قد لا نخرج منه إلا بمعجزة تحققت في أيام خريف 1986، عندما تلقيت رسالة من الديوان الملكي، تحمل توقيع محمد المديوري، تشير إلى أن جلالة الملك الحسن الثاني يريد أن يعرف تاريخ تحقيق هذا المشروع، لأن مؤتمرا لطب النساء، من تنظيم طبيب الأميرات الدكتور جون كوهن، سيعقد به تحت الرئاسة الشرفية للملك الحسن الثاني، بحضور مؤتمرين سيتراوح عددهم ما بين 3000 و5000 شخص”.
انتصار الإرادة
كانت الرسالة الملكية نقطة دفع قوية لإنجاز قصر المؤتمرات، الذي جرت الرياح بما لا يشتهيه عبد الهادي العلمي وعامل الإقليم حسن ابن الماحي بخصوصه، “لأن المرحوم محمد الوفا، رئيس جماعة مراكش، لم يكن رجلا سطحيا ولا معرقلا، ولكنه لم يملك الوعي بالبعد التاريخي والحيوي لهذا المشروع، الذي واجهته في البداية مشاكل عدة، من بينها العقار، لأن تفويت أرض الجماعة يتطلب بحثا ودراسة بحسب رئيس البلدية، ما استغرق سنة كاملة”، يحكي العلمي في كتابه “قصر المتاعب”.
ورغم هذا التفويت الذي تم بدرهم رمزي، كان المشروع في حاجة إلى أرض ستخصص للحدائق، تم الحصول عليها بـ30 درهما للمتر المربع، أما أرض أخرى فتم اقتناؤها بـ100 درهم للمتر المربع، لتصبح المساحة الإجمالية هي 10 هكتارات، جزء منها من أملاك الدولة، يضيف العلمي الذي أشار إلى أن “العراقيل كثيرة، لكن إرادة الانتصار كانت قوية، فقصر المؤتمرات الذي هو من اختصاص الجماعات والدولة، لم يرق بعض المسؤولين المحليين ووزراء إلى فهم أهميته”.
وإذا كان المشروع حقق تقدما على مستوى العقار الذي سيبنى عليه، فإن مشكلا عويصا سيعترضه يتمثل في امتناع الأبناك عن تمويله بدعوى أن نسبة المخاطرة فيه مرتفعة، يورد العلمي، كاشفا أن “بنكا تدخل لحل جزء من مشكلة التسهيلات البنكية في حدود مبلغ 50 مليون درهم، وكان صعبا العودة إلى الديوان الملكي، لأن الأمر يبدو بمثابة تقصير أو هزيمة، لتأتي زيارة جون كوهن، طبيب الأميرات، الذي كون قناعة باستحالة إنجاز القصر في الوقت المحدد وأخبر جلالة الملك بهذا التخوف، لكن الملك طمأنه وقال له إنني أعرف الرجل وسيفي بوعده وأنا أضمنه”.
“باسم الله” هي الأولى
“وبعد أن قال أول متدخل في مؤتمر طب النساء الضخم الذي افتتحه الوزير الأول عز الدين العراقي في موعده: بسم لله الرحمن الرحيم، واشتغلت كل مكبرات الصوت وكل الأجهزة السمعية البصرية، قلت أنا صدق الله العظيم، زهوا بهذا الإنجاز”، يروي العلمي في كتابه عن المعلمة.
كما يورد المصدر في السياق نفسه: “كانت في قلبي غصة وحسرة تجاه الإدارة المغربية التي لم تواكب عملنا ولم تقدم لنا أي عون يذكر، ولكن هذا التصرف كان بمثابة حبة رمل أمام الوسام الكبير اللامرئي الذي كنت أحس أنه يزين صدري، والمتمثل في القرب من رضا ملك عظيم”.
The post قصر المؤتمرات في مراكش.. قصة حب ملكي وصدى إرادة حس وطني appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/3Gk4rOH
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire