يشكل “ما بعد الإنسانية” وسعي الإنسان لتعزيز قدراته أحد المواضيع التي تسترعي الاهتمام في الأوساط العلمية عبر العالم، وقد وصل صدى ذلك إلى جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ببنجرير التي نظمت أياما علمية، الأسبوع الجاري، بحضور خبراء فرنسيين أغنوا النقاش حول هذا الموضوع الشائك.
ويمثل هدف “الإنسان المُعَزَّز” تتويجا للتوق البشري إلى الانفلات من الحدود البيولوجية الحاكمة لوجوده، لكن ذلك لا يخلو من إشكاليات وتداعيات سلبية يحذر منها عدد من العلماء، من بينهم جون فرانسوا ماتي، الطبيب الفرنسي وزير الصحة الأسبق في عهد الرئيس جاك شيراك.
في هذا الحوار، يوضح لنا الرئيس السابق للصليب الأحمر الفرنسي الرئيس السابق للأكاديمية الفرنسية للطب مفهوم الإنسان المعزز وكيفية إمكانية تأثيره على المجتمع الإنساني وفتح الباب أمام صراع طبقي من نوع جديد.
ضيفنا، البالغ من العمر 78 سنة، متخصص في طب الأطفال ومهتم بعلم الوراثة الطبية، نال شهادة الدكتوراه عن أطروحة حول “متلازمة داون”، وانتخب سنة 1997 عضوا في الأكاديمية الوطنية الفرنسية للطب.
بدأ جون فرانسوا ماتي مساره السياسي مستشارا جماعيا في مارسيليا سنة 1983، ثم برلمانيا عن المدينة نفسها فعضوا في مجلس أوروبا، كما عمل خبيرا لدى منظمة الصحة العالمية. وما بين 2002 و2004، شغل ماتي منصب وزير الصحة والأسرة والأشخاص ذوي الإعاقة في حكومة جاك شيراك.
ونشر ماتي طيلة مساره الطويل 25 كتابا في تخصصات طب الأطفال وعلم الوراثة والأخلاقيات والإنسانية، إضافة إلى منشورات بالمئات حول مواضيع تهم الصحة العمومية والمساواة والتضامن، ناهيك عن محاولات في مجال الخيال العلمي.
يجري الحديث من حين لآخر من طرف المجتمع العلمي عن الإنسان المعزز (l’homme augmenté)، ماذا يعني هذا الأمر؟
الإنسان المعزز هو إنسان جرى تحسين أدائه وقدراته من خلال التعديل الجيني. وفي نظري، لا يستحب أن يسير الإنسان في هذا النهج، لأن ذلك له تداعيات سلبية كثيرة على مجتمعنا ومنظومتنا.
يجب أن نفرق جيدا من جهة بين جميع التقنيات التي تتيح شفاء ومعالجة الأمراض المستعصية، ومن جهة أخرى بين الاستجابة لطلب شخص في صحة جيدة يريد مثلا الرؤية بالليل أو استخدام الموجات فوق الصوتية مثل الخفافيش أو التوفر على أداء أكبر من الآخرين على مستوى الذاكرة. هذه كلها طلبات ليست لديها ضرورة مؤكدة، وتبقى عملية “مسخ” للكائن الإنساني ينتج عنها إخلال بالمساواة البيولوجية بين البشر.
أعتقد أن استخدام التعديل الجيني اليوم أمر غير مرغوب فيه، لأن التحكم في شخص عن طريق تعديل جيناته يؤثر على حريته، وهذا الأمر يؤدي إلى صراع طبقي جديد بين الأغنياء، لأن بإمكانهم الحصول على تعزيزات وتحسينات، والأشخاص الذين لن يستطيعوا ذلك وسيكونون مضطرين للبقاء محبوسين في حدودهم.
في نظري، لو وصل الإنسان إلى هذا المستوى سنكون أمام نهاية لمجتمعنا، لأن ذلك سيعيد خلق اللامساوة وغياب التضامن، لأن الشخص الذي يتم تعزيز قدراته جينيا سيصبح في غنى عن الآخرين، وهو ما سينهي الرابط الاجتماعي.
أعتقد أن تعزيز قدرات الإنسان فكرة راسخة لدى الإنسان منذ ظهوره في سبيل سعيه لاكتساب قدرات جديدة غير مسبوقة، لكن يبقى تغيير الطبيعة الجينية للإنسان خارج إطار معالجة الأمراض أمر لا يجب أن نصل إليه.
هذا يطرح أيضا تحديات على المستوى الأخلاقي
نعم، ويطرح أيضا مشكلة على مستوى الديمقراطية، لأن هذا التعديل الجيني يعني نهاية المساواة والحرية واحترام الكرامة الإنسانية.
رغم هذه التحديات والمخاوف، هناك حركة فكرية تدعم استخدام العلوم والتكنولوجيا الجدية لتعزيز القدرة الإنسانية تسمى “ما بعد الإنسانية” (Posthumanism).
يقصد بـ”ما بعد الإنسانية” المرور من الإنسان المُعالَج بفضل الطب وكل التكنولوجيات المتقدمة إلى ما يسمى بـ”posthuman”، أي إنسان جرى تغيير طبيعته وتخزين محتوى دماغه على برنامج، وبذلك يصبح معه الجسم دون معنى ويتم التخلي عنه.
أعتقد أن تعديل جينات شخص غير مريض فقط من أجل تحسين قدراته أمر غير مقبول، وقد تم رفض ذلك من خلال منع استعمال المنشطات في الرياضة، لأن ذلك بمثابة غش مع الإنسانية.
في علاقة بفيروس كورونا المستجد، كيف ترى هذه الجائحة التي أحدثت اضطرابا غير مسبوق في العالم؟
أعتقد أن جائحة “كوفيد-19” أبرزت أمورا مهمة عدة؛ أولا أن الإنسان الذي يعتقد نفسه قويا بفضل الذكاء الاصطناعي والتعديل الوراثي وغزو الفضاء جعله فيروس مجهول يبدو جاهلا وضعيفا، وهذا درس في التواضع يجب على الأطباء استيعابه وعدم الاعتقاد أبدا بأننا أكثر مما نحن عليه.
أمام تحدي الجائحة، رفع العلماء كل الصعوبات ونجحوا في توفير عدد من اللقاحات في أقل من سنة واختراع تقنية “ARN messager” التي مكنت من تطوير سريع لهذه اللقاحات، وهو أمر تأتى بفضل البحث العلمي وتضافر الجهود.
لقد كانت الأطقم الطبية تعتبر نخبة منفصلة عن المجتمع، لكن خلال هذه الجائحة تبين أنها مستعدة لنكران ذاتها والتعرض للخطر من أجل إنقاذ حياة الآخرين، وهذا أمر رائع ويعطي صورة جميلة عن مجتمعنا.
في النهاية، كل شيء جاء من الخفاش بسبب الإخلال بنظامه البيئي الذي نتج عنه تعرضه للاتصال مع الحيوانات الأخرى، والإنسان هو من سمح بمرور الفيروسات التي يحتضنها الخفاش نحو حيوان ناقل ثم إلى الإنسان، وهذه صورة تبين الوحدة بين الإنسان والحيوان والطبيعة، أي كل ما هو حي، ومن هنا تكمن أهمية عدم إغفال الصحة الحيوانية والصحة البيئة، وأعتقد أن هذا المفهوم سيتطور كثيرا في المستقبل.
مع توالي طفرات الفيروس وموجات الجائحة، يتساءل كثيرون عن توقعات العودة إلى الحياة الطبيعية. هل ما يزال ذلك ممكنا؟
أعتقد أنه من الصعب القيام بتنبؤات في هذا الصدد، نحن في وضعية مجهولة بسبب فيروس غير معروف، وهي أول جائحة لهذا الفيروس. ما هو محتمل، شرط عدم ظهور طفرات جديدة شديدة، أن الموجات ستتوالى، وقد نصل إلى الموجة السادسة أو السابعة، لكنها ستصبح أضعف مع مرور الوقت في ظل وجود عدد كبير من الملحقين والمصابين، وهما معا يساهمان في المناعة الجماعية، مع ضرورة الاستمرار في احترام الإجراءات الاحترازية.
The post ماتي: التعديل الجيني يمسخ الإنسان .. و"كورونا" أظهرت الضعف والجهل appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/3CbFimV
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire