حسن الطالب ينهي ترجمة للفيلسوف إتيان باليبار

صدرت مؤخرا عن دار “ملتقى النشر للكتاب” بالدار البيضاء الترجمة الكاملة لكتاب “العالَم.. الثقافة، الإيديولوجيا، الدين” للمفكر والفيلسوف الماركسي إتيان باليبار، من إنجاز المترجم والأكاديمي المغربي حسن الطالب.

ويتناول هذا الكتاب العلاقات الكائنة أو المفترضة بين الكوسموبوليتية والعلمانية في عالمنا المعاصر. وتقوم أطروحته الرئيسة على أن الاختلافات بين الأديان اختلافاتٌ لا يمكن فصلها أبدا عن الاختلاف الذي يسم الثقافات باسم إيديولوجية تثوي خلف أي ثقافة ما، طبيعة رؤيتها للعالَم بصفة عامة. وبناء عليه- يقول المترجم في مقدمة الكتاب- فإن الانتقال بهذا الاختلاف من كونه مجرد اختلاف ثقافي أو ديني أو تعددية ثقافية إلى كونه إيديولوجيا، يعني محاولة من المؤلف إضفاء بُعْدٍ سياسي على الجدل الدائر حول الاختلاف المذكور، وبالتالي التأكيد على أن لسياسات الدول العلمانية، وأساليب صياغتها لدساتيرها، وتنزيلها، دورا مفصليا في توجيه الجدالات والنقاشات حول العلمانية وتنزيل مبادئها الدستورية.

وبناء عليه، فإن معظم الصراعات الدينية اليوم بين الإسلام والمسيحية واليهودية مثلا هي صراعات- يؤكد إتيان باليبار- سياسية أكثر مما هي دينية في جوهرها. ذلك أن الاختلاف بين ما هو مقدس (Sacré) ودنيوي (Profane) تتحكم فيه، أساسا، مصالح مادية وسياسية قبل كل شيء. ولتوضيح ذلك فضّل باليبار أن يسلُك اتجاها معكوسا ينطلق فيه من تحديد الرهانات والأدوار السياسية والتوترات الدينية باعتبارها منطلقا لفهم الاختلاف الديني والثقافي.

ويُفهم من محاولة باليبار أنه يؤمن بوجود آليات للسلطة والهيمنة تثوي خلف أي خطاب ديني، وتكون مغلّفة بمجموعة من الطقوس والشعائر والمعتقدات الدينية. وخير مثال يقف عنده المؤلِّف هو الجدل الذي دار حول حظر ارتداء الحجاب أو البرقع على الفتيات المسلمات في المدارس العمومية الفرنسية؛ فقد رفض المؤلف هذا القرار المجحف في حق الفتيات المسلمات، كما رفض وصاية الدولة السياسية، التي جعلت من هذا الموضوع موضوع نزاع بدا أنه، في التحليل الأخير، سياسي بامتياز، حيث حوّل الفتيات إلى موضوع “مشيّأ” استُغِلَّ لتصفية حسابات سياسية بين اليمين واليسار الفرنسيين من جهة، وبين الدول العلمانية وبين الإسلام من جهة ثانية.

وكل هذا يؤدي بنا، حسب باليبار، إلى القول إننا، في الواقع، أمام كونيات غير متطابقة أو متكافئة (Incompatible) وليس أمام مجرد اختلافات دينية، أو تنافس من أجل الاستئثار بالمجال الديني واستغلاله. وبعيدا عن التنافس أو الصراع الديني يدافع باليبار عن مواطنة كونية (Universalité) تبرهن، من خلال التجربة الدينية الملموسة ودرجة التحرر التي يمكن أن تمُدّا بها المواطنين، على انعتاق الفرد من أي سلطة دوغمائية مطلقة أو شرائع تقييدية معينة. وبذلك لن تكون لصراع الكونيات حلول مسبقة، بقدر ما سيفسح هذا الصراع المجال أمام ما يسميه باليبار “كوسموبوليتيات تناوبية”(Cosmopolitismes alternatifs)، بل إلى علمانيات تناوبية. لذلك، يوجه باليبار نقدا للمقاربة الثقافية المتعددة (Multiculturaliste) لقصورها، في نظره، عن تحليل ملائم لتجليات الصراع الديني والثقافي في عالمنا اليوم، مخالفا الكثير من المنظرين للصراعات الدينية، الذين استشهد ببعض نصوصهم وآرائهم في الكتاب ووقف عندها محللا وناقدا، كالباحثة جون ولاش سكوت أو هنري بينا رويز أو بوديرو أو جوديت بوتلر.. إلخ فشدَّد على وضع الإشكالية المركزية لصراع الثقافات والأديان في مكانها المناسب، ليخلُص إلى أنها إشكالية لا يمكن اختزالها في علم اللاهوت، ولا في النزعة الثقافوية، ولا في الأنثروبولوجيا الثقافية، ولا كذلك في ثنائية تسامح/ عدم تسامح، وإنما تأخذ في حسابها ما يسميه “اختلاف في المواطنة” (Différend de citoyenneté) ، وهو سياسي في حقيقته وليس دينيا ولا ثقافيا بالدرجة الأولى.

والكتاب، فضلا عما سبق، محاولة في توصيف الصراعات الداخلية التي تخترق ثقافة ما. ومصدر التشديد على الكوني، في رأي باليبار، مردُّهُ إلى أنه يمثِّل قيمة ترمز إلى إمكانية أن يكون الناس متساوين دون أن يكونوا الشيءَ نفسه بالضرورة، ولذلك تحضر الكونية في الكتاب بوصفها مسألة فلسفية بالدرجة الأولى، لا بوصفها دعوة من دعوات الموقف اليساري الذي طالما ألح عليها باعتبارها فكرة ومطلبا. ويلاحظ باليبار أن مفهوم الكونية مندرج دائما في إطار حضارة ما، حتى في تلك الأحوال التي سعى فيها إلى تشييد تشكيلات وكيانات أبدية وخالدة، حيث إن له موقعا وشروطا كينونة، ونطاقا يسمح له بالتعبير عن نفسه.

The post حسن الطالب ينهي ترجمة للفيلسوف إتيان باليبار appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/326mE3H

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire