الأديب مبارك ربيع يكتب في دفتر المسألة التعليمية: "المعلم أولا وأخيراً"

قال الأديب مبارك ربيع إن “الحديث عن المعلم يمثل جوهر ما يمكن أن يقال في مجال التربية؛ والقصد في نهاية الأمر، حتى وإن كانت هناك من تراتبية في موضوعات وقضايا المنظومة التعليمية، فهي تعني أن مرتبة الأهمية القصوى تبقى للمعلم، باعتباره مبتدأ الكلام ومنتهاه، ولا يتقوم شيء بدونه”.

وتساءل مبارك ربيع في مقال له بعنوان “المعلم.. أولا وأخيراً”: “ماذا يفيد توافر الوسائل والوسائط التعليمية مهما تكن، إذا لم يكن المعلم في مستوى متطلبات مهمته؟”، مضيفا “إنْ كانت المهمة تبدو مبدئياً محصورة في الزمان والمكان، أي بين جدران المؤسسة والحصة التعليمية، إلا أنها تتميز بأنها مهمة مستمرة، تشغل وجود الكائن لا مجرد وقته فحسب”.

وأوضح مبارك ربيع أن “الفصل الدراسي، زماناً ومكاناً وتعلماً، يشكل مشتل تأهيل وفضاء تواصل واندماج مجتمعي، من حيث هو فصل دراسي، أي فضاء تعليمي منظم، ومن حيث هو مجموعة رفاق، ثم من حيث هو محيط مؤسسي مقنن، وأخيراً من حيث هو مجتمع إنساني”.

وهذا نص المقال:

يمثل الحديث عن المعلم جوهر ما يمكن أن يقال في مجال التربية؛ والقصد في نهاية الأمر، حتى وإن كانت هناك من تراتبية في موضوعات وقضايا المنظومة التعليمية، فهي تعني أن مرتبة الأهمية القصوى تبقى للمعلم، باعتباره مبتدأ الكلام ومنتهاه، ولا يتقوم شيء بدونه.

لا يعني القول بمحورية المعلم ودوره أية إحالة على المعهود التقليدي من اعتبارية مادية سلطوية أو معنوية معرفية، يختص بها المعلم دون غيره، أي أنه لا يعني بالتالي أي انقلاب مضاد على الثورة الكوبرنيكية التربوية، التي جعلت المتعلم (الطفل) محور العمل التربوي بكل متطلباته؛ بل إن كل ما تعنيه محورية المعلم ودوره، إنما يأتي من المنظور العملي في الفعل التربوي، بغض النظر عن الموقع الذي يوجد فيه المعلم، أو تضعه ضمنه مختلف التوجهات التربوية الحديثة والمعاصرة، كل منها حسب منظوره في نطاق التجديد التربوي.

ولعلها تبدو فكرة مقلقة، إن لم تكن صادمة لبعض الغيورين، إذ طالما عبر الكثير منهم عن قلقهم الكبير، إن لم نقل خيبتهم، في أن يسمعوا مثل هاته المسؤولية منسوبة إلى المعلم، وخاصة في ظروف محيطية ومؤسسية، من شأنها أن تشكل راهنيات لا تساعد على الوفاء بمتطلبات الأداء البيداغوجي من طرف المعلم؛ ولعل ما يزيد هذا القلق بلبلة أن نضيف بالواضح، ما مؤداه أن على المعلم أن ينجح في عمله، حتى في أسوإ الظروف المحيطية، ولنقل حتى وإن لم يكن له من وسائل العمل إلا الأقل والأولي، متمثلا في الطباشير واللوحة التقليدية المعهودة؛ ولا داعي لتجاوز مسحة المبالغة في هذا التصور، لأن تاريخ التربية في وجوهه المجددة بالذات، إنما تأتَّى من اجتهادات معلمين في ظروف غير مواتية، ما لبثت أن تبلورت لديهم في فاعلية ابتكارية مجددة، بفعل ظروفهم غير المواتية تلك؛ ولم يكن ذلك مقصوراً على مجتمع بعينه أو ثقافة دون غيرها، بل إنه ليصدق على جل التوجهات التربوية المجددة.

واضح أن السؤال الوارد بداهة في هذه الحال لا يتعلق بما إذا كنا في هذا التحميل للمسؤولية نرفع أم نحط من دور المعلم، بقدر ما يتعلق الأمر بفاعلية المعلم، باعتباره وحده من يعد العدة اللازمة والضرورية، فكرياً وعملياً، لمغامرته اليومية التي يخوضها وحيداً كل ساعة، بل كل لحظة من يومه، محاطاً بكون يمثل جمع عوالم ذوات متنوعة لمتعلمين يختلف بعضهم عن بعض، علاوة على أن كلا منهم من محيط مجتمعي مختلف خاص؛ وهذا ما يجب استحضاره في مهمة المعلم ودوره؛ وبطبيعة الحال لا ننسى ما يتضمنه ذلك كله ويحيل إليه، من ميل وجاهزية لحمولة التصنيفات المجتمعية، التي لدى كل من في المجموعة المتمدرسة، عما حوله من الآخرين بمن فيهم المعلم، وذلك مع التصنيفات التعلمية حسب المستويات والمراحل الدراسية التي تعتمدها المؤسسة، وكذا تبادلها الضمني بين المجموعة، وضمنها المعلم مرة أخرى وبالضرورة.

هذه حقيقة الواقع المعقد الذي يشتغل ضمنه المعلم، وهو رغم ما قد يبدو عليه بالنظرة العابرة من بساطة ظاهرية، إذا كان يفرض على المعلم، ضمنياً وتعاقدياً، حقَ المتعلم الواحد الفرد في حيازة كل الاهتمام، أي بالتالي كل الزمن التعلمي لا جزءاً منه ولا بعضاً؛ فإنه يفرض على المعلم تدبير ذلك، بما يعني أنه يفرض عليه أن يولي ذاته في كليته كمعلم، لكل متعلم في فرديته، ضمن الوقت الذي هو فيه لكل المتعلمين، أي لجمع مجموعة الذوات في فصله الدراسي؛ وهنا منتهى مجال حذقه واجتهاده.

هذه هي الصورة التي تجعل المعلم كل شيء في الفعل التربوي، بغض النظر عن أي اعتبار آخر، وبغض النظر- على سبيل الافتراض- حتى عن إرادة أو وعي المعلم نفسه أو غيره، رغم أهمية ذلك؛ إذ ماذا يفيد توافر الوسائل والوسائط التعليمية مهما تكن، إذا لم يكن المعلم في مستوى متطلبات مهمته؟ وهي مهمة وإن كانت تبدو مبدئياً محصورة في الزمان والمكان، أي بين جدران المؤسسة والحصة التعليمية، إلا أنها تتميز بأنها مهمة مستمرة، تشغل وجود الكائن لا مجرد وقته فحسب، فهو يتهيأ لها ويهيئ مستلزماتها خارج المؤسسة وقبل زمنها المحدد، كما أنه يتابع لواحقها ومستدركاتها بعد ذلك؛ فمهمة المعلم ليست أداء آلياً أو عملا نمطياً، والتعلم إنما يتم ضمن علاقة إنسانية يسري عبرها التبادل والتفاعل، تطبعها وتنسج خيوطها شخصية المعلم.

صحيح أن الأساسي في مهمة المعلم، يرتبط بما يجعل شخصية المتعلم تتفتح على أحسن وجه ممكن إزاء المعارف على العموم خبرة وكشفاً، لكن هذا الذي يبدو وكأنه كل شيء في المطلوب من المعلم ليس إلا ظاهر جبل الجليد العائم، أما الأعمق فهو المتمثل في أن بعض هذه الذوات التي يجمعها الفصل الدراسي، بمن فيها المعلم ذاته، هي في أمس الحاجة إلى فهم وتفاهم فيما بينها من جهة، ومع محيطها التعلمي ضمن المؤسسة المدرسية من جهة ثانية، ثم مع محيطها المجتمعي العام من جهة أخيرة، وهو ما يتطلب تأهيلا لشخصية المتعلم، لتكون قادرة على التفاعل الإيجابي على هذه المستويات جميعاً، بما يتطلبه كل منها؛ ولا يعني ذلك في شيء من قبل المتعلم أنه محايد أو تابع أو يساير، بل يعني أنه يحاور، يشارك، يناقش، يقترح ويعارض؛ وهذا ما يعني اكتساب الثقة في الذات، وبالتالي سيرورة تنميتها عبر الحياة المدرسية وأثناءها، علماً بأن هذه الثقة تمثل حجر الأساس في بناء الشخصية، وهي ليست ثقة فرد معزول في ذاته، بقدر ما هي ثقة متبادلة ضرورية الوجود في الفصل الدراسي والمجموعة فيما بينها، وهي تنعكس ثقة في الوسط المدرسي، وبالتالي في اشتغال المؤسسة المدرسية، كما في المجتمع بكامله.

وطبيعي أن المقصود بمواصفات الثقة على هذا النحو ليس الارتكان إلى تقوقع أو تضخم ذاتي، بل إقامة نسيج علاقات تبادلية تفاعلية وبتمام وعي وإرادة؛ وهذه الثقة من شأنها أن تخلق حلقات علائقية إيجابية: فالأفراد وثقوا في مدرستهم بإرسال فلذات أكبادهم، والمدرسة تثق فيهم كمحيط فاعل تبعاً لذلك، وبما يولونها من رعاية واهتمام؛ ومن ثَم ثقة التلاميذ في أنفسهم، في ذواتهم ومحيطهم المدرسي والمجتمعي، إنها شبكة ثقة متبادلة ضرورية ومطلوبة في كل الظروف والمجتمعات.

إننا هنا نميل، بطبيعة الحال، إلى التأكيد على أن مهمة المعلم ليست كمية، بل هي نوعية؛ وإذا كنا نعي القصد من أن التجديد التربوي يتمثل في أن تلقين المعلومات ليس هو الأهم، فذلك لا يعني التقليل من أهمية المعرفة متمثلة في المعلومات، بقدر ما يعني أن يتعلم المتعلم بذاته كيفية تحصيل المعرفة بنفسه، ولتبقى محورية دور المعلم متعلقة بالمساعدة في التعلم، عبر التوجيه والإرشاد، بل وحتى التدخل المباشر التلقيني عند الحاجة والضرورة البيداغوجية؛ لمَ لا؟

من هذا المنظور، فإن الفصل الدراسي، زماناً ومكاناً وتعلماً، يشكل مشتل تأهيل وفضاء تواصل واندماج مجتمعي: من حيث هو فصل دراسي، أي فضاء تعليمي منظم، ومن حيث هو مجموعة رفاق، ثم من حيث هو محيط مؤسسي مقنن، وأخيراً من حيث هو مجتمع إنساني؛ ومن ثم فهو يشمل تنمية كافة القدرات والمهارات العلائقية والتطلعية الاستكشافية، وبالتالي كافة المظاهر الذكائية الفردية والجمعية لدى المتعلم.

لعل السؤال الموارب الوارد، يحوم حول نموذجية المعلم: هل ثَم من نموذج ولا نقول “مثال” يرام تحقيقه أو تجسيده عملياً والسير على هداه، لإنتاج معلم بالمواصفات المطلوبة؟

لا يمكن القول هنا أكثر من أننا نتحدث دائماً عن الأحوال العادية، ولا يطلب من المعلم إلا أن يكون عادياً في “مهنيته”، بعيداً عن كل أسطرة ذاتية لمهمته وعمله، سواء كان مصدرها المعلم نفسه أو غيره من محيط قريب أو بعيد؛ المعلم العادي في الأحوال العادية هو حضور يملأ الفضاء التعليمي، وعي وجودي في غاية تفتح وإنصات للظاهرة التعليمية الحية، في خَفِي همودها ووقع تصاعدها، في رفيق ذبذبتها وروع اهتزازها.

ولعلنا بعد هذا التحمل والتحميل للمعلم ومحورية دوره في العملية التعلمية التعليمية، وفي إيلائه النصيب الأكبر من مسؤولية الأداء البيداغوجي، إن لم نقل كل المسؤولية في ذلك، وهي بطبيعة الحال ليست مسؤولية جنحية أو جنائية؛ نعود لننظر فيما يُنظر فيه عادة، قبل أو دون تناول دور المعلم ومكانته، ألا وهو الشق المتعلق بعوامل ومؤثرات أخرى، لها بدورها نصيبها ومسؤوليتها المؤكدة، في مدى نجاح أو فشل العمل التربوي المدرسي.

صحيح، نعم؛ لكن ليبقى المعلم حجر الزاوية في كل شيء، ومن ثمّ اعتباريته ومكانته.

The post الأديب مبارك ربيع يكتب في دفتر المسألة التعليمية: "المعلم أولا وأخيراً" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/305rY68

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire