في ظرف ثلاثة أيام، عادت النيران لتأتي على سوق “الصالحين” وسوق “تبريكت” في مدينة سلا، عاصفة بمصدر رزق عشرات الأسر، وسط تضارب الآراء حول أسبابها بين قائل إنها كانت بفعل فاعل وبين مستبعد ذلك.
وفيما لم تظهر بعد حقيقة أسباب الحريقين اللذين اندلع أولهما حوالي الحادية عشر ليلا من ليلة الأحد، والثاني عند الساعة الرابعة والنصف صباحا من يوم الأربعاء الفائت، يطرق التجار المتضررون أبواب مكاتب المسؤولين بحثا عمن يعوضهم عن الخسائر التي ألحقتها بهم ألسنة اللهب التي حولت محلاتهم العشوائية إلى قطع فحم ما زال ينبعث من بين ركامها الدخان.

من أحرق أرزاقنا؟
بعد انطفاء النيران التي أتت على الجزء الأوسط من سوق “تبريكت”، تحول المكان إلى ما يشبه سرادق عزاء. أمام كومة من الأنقاض الخشبية التي ما تزال تتصاعد منها الأدخنة، جلست ثلاث سيدات وهن يشيعن مصدر رزقهن في صمت دون رغبة في الكلام، قبل أن تنفجر إحداهن وتقول بغضب: “هذه هي المرة الثالثة التي يحترق فيها مصدر رزقنا”.
في مكان آخر وسط السوق الذي تحول إلى رماد، يطرح السؤال نفسه على لسان رجل مسن قال هو أيضا بغضب لزملائه التجار المجتمعين: “علينا أن نذهب إلى المقاطعة ونعتصم هناك إلى أن يأتي القائد ليقول لنا مَن أحرق أرزاقنا”.

قصد الرجال ومعهم النساء مقر المقاطعة أملا في الظفر بلقاء مع القائد، غير أنهم أخبروا بأنه في اجتماع عمل بمقر العمالة، ولم يجدوا بدا من التوجه إلى مقر مجلس مقاطعة تبريكت، ليواجهوا بالجواب نفسه: “رئيس المقاطعة غير موجود”، قبل أن يظهر موظف بالمجلس ويطلب من اثنين منهم مرافقته عند الباشا.
لقاء ممثلي التجار المتضررين مع الباشا لم يتمخض عن شيء، إذا غادروا مقر الباشوية كما دخلوه بدون حل، حيث طلب منهم أن ينصرفوا وينتظروا إلى حين اتخاذ السلطات القرار المناسب بشأن المأساة التي لحقت بهم.

وبحسب المعلومات التي حصلت عليها هسبريس من مصادرها، فإن قائد مقاطعة المزرعة ينتظر التوصل بنتائج التحقيق الذي باشرته الشرطة من أجل معرفة أسباب اندلاع الحريق أولا، قبل التقرير في الإجراءات التي سيجري اتخاذها.
وإلى حد الآن، لا تعرف أسباب الحريق الذي أتى على سوق تبريكت؛ إذ تتضارب الآراء بين قائل إنه متعمد، خاصة وأنه أتى يومين فقط بعد اندلاع حريق “سوق الصالحين”، وبين مستبعد فرضية الفعل الجرمي وترجيح أن يكون ناجما عن حادث عرضي، خاصة وأن الجزء المحترق من السوق كان مأوى للمشردين.

سوق فوضوي
إذا كان سوق الصالحين العشوائي المحترق ليلة الأحد الماضي مؤقتا؛ إذ ينتظر التجار المتواجدون به تدشين السوق الجديد المشيد لينتقلوا إليه، فإن مصير تجار سوق تبريكت المحترق يوم الأربعاء ما يزال “مجهولا”.
قبل سنتين، شرع في أشغال بناء سوق قيل سينقل إليه التجار الموجودون في السوق العشوائي الحالي، مقابل أداء مبلغ مالي قدره خمسة ملايين سنتيم، بحسب إفادة التجار الذين تحدثت إليهم هسبريس، غير أن الأشغال سرعان ما توقفت عند حدود عملية حفر الأساس، بعد اعتراض ورثة أصحاب الأرض الأصليين.

وفي خضم هذا الوضع، يطالب التجار الذين أتت النيران على محلاتهم العشوائية وقضت على مصدر رزقهم بإيجاد حل دائم لهم، خاصة وأنهم عمروا هناك لسنوات طويلة، تناهز ثلاثة عقود من الزمن.
يقول تاجر تفحم محله وكان يجمع ما تبقى منه من قطع القصدير: “ليست هذه المرة الأولى التي يحترق فيها هذا السوق، بل هي الثالثة، ولم يسبق لنا أن حصلنا على أي تعويض”، مضيفا: “كل طموحنا الآن هو أن يرخصوا لنا لبناء محلاتنا”.

بحسب الإفادات التي استقتها هسبريس من التجار المتضررين، وعددهم حوالي سبعين تاجرا، فقد جرى إحصاؤهم منذ سنة 1988، وكانوا يدفعون رسما “الصنك”، يتراوح ما بين درهمين إلى ثلاثة دراهم في اليوم، ويحصلون على وصل مقابل ذلك.
ويعيش سوق تبريكت منذ مدة “حلولا ترقيعية”؛ إذ تمت إزاحة فئة من التجار وتحويلهم إلى مكان آخر من السوق قرب المركب الثقافي المشيد حديثا، وسيجت المنطقة التي نقلوا منها، حيث يتوقع أن يشق فيها طريق وتشيد فيها عمارات سكنية من طرف المنعشين العقاريين المالكين للأرض.

وأدت هذه العملية إلى إغراق السوق في مزيد من العشوائية، وصار جزء منه بؤرة للتلوث، حيث يتم التخلص من الأزبال والنفايات بشكل عشوائي في المحيط الذي تباع فيه الخضر والفواكه، علاوة على تسرب المياه العادمة وتجمعها في بركة آسنة تقوم الشركة المكلفة بالتدبير المفوض لقطاع التطهير السائل بتجفيفها أو طمرها بالتراب، إضافة إلى انتشار الكلاب الضالة في كل مكان.
وعلق أحد التجار على وضعية السوق وعيشهم داخل وسطه الموبوء، بالقول: “هادشي ولفناه وتخالط لينا مع الدم”. وعن وعود المسؤولين، قال: “هاد الكْدوبات ديال نديرو لكم ونفْعلو لكم مبقيناش كنتيقوها، حيت عارفين غير كيجيو يكْدبو علينا ويمشيو”.

“لم يسأل فينا أحد”
وسط ركام ما تبقى من سوق تبريكت من ألواح قصديرية وأعمدة خشبية، جلست سيدة واضعة كفها تحت ذقنها وهي ساهمة. سألنها عن سبب اندلاع الحريق في السوق فأجابت بنوع من اللا مبالاة: “الله أعلم”، قبل أن تفصح بأن سبب الحريق لا يعنيها وأن ما يهمها الآن هو مصير أسرتها بعد أن أصبح مصدر عيشها فحما ورمادا.
قالت السيدة التي قضت في السوق اثنين وأربعين عاما: “منذ أحاطونا بالقصدير من أجل بناء عمارات جديدة أصبحنا محاصرين، ولم يعد يأتي عندنا أحد، لأن المتسوقين يفضلون اقتناء حاجياتهم لدى الباعة الموجودين خارج السوق”، بينما قال أحد الحراس الذي كان حاضرا لحظة اندلاع الحريق إن العشوائية التي يتخبط فيها السوق وتطويقه بالحواجز صعبت مأمورية وصول رجال الإطفاء وأخرت عملية الإخماد.

ويعيش التجار المتضررون وسط كابوس بعد الحريق الذي أتى على محلاتهم، وفي غياب أي جهة مسؤولة. وعبر أحدهم عن ذلك بالقول: “لمْن تشكي؟ لربي، شكون غادي يسمعك، ها حنا تحرگنا ما طل علينا تا واحد، وهاد المنتخبين اللي كانوا كيتساراو النهار اللي نجحو ما شفنا تا واحد، ما عرفناش فين نمشيو”، مضيفا: “مْن هنا كنخصلو الماء ونخلصو الضو، ومن هنا المعيشة، والكتوبا د المدرسة، دبا الله غالب”.
The post الحرائق تُعري واقع الأسواق العشوائية بمدينة سلا.. والمتضررون يطالبون بالإنصاف appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/3Br4EgR
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire