تنتظر الشابة سيلفيا (أداء تيسا طومسون) شخصا مُهما ليحضر معها حفلا موسيقيا، ترتدي ثوبا من موضة المرحلة ولونا مُميزا يجعلها بارزة بين باقي الألوان الداكنة في زحام باب قاعة الحفلات، وفجأة يخرج شخص من العدم ويجعل الماضي البعيد ينبعث من جديد. في فيلم “حب سيلفيا” 2020 سيناريو وإخراج يوجين آش، وهذا فيلمه الطويل الأول وهو فيلم مبني باحترافية كبيرة.
يرجع السرد إلى ذلك الماضي لتوضيحه من البداية بدلا من استخدام تقنية الفلاش باك كذهاب وكإياب بين الماضي والحاضر. عازف ساكسفون في حانة اسمها “المغرب الأزرق” يقع في حب يجعل عزفه أرقى. يمثل الفيلم نموذجا جديدا لأهمية موضوع اللاعدالة العرقية ويقدم مثالا لتزايد حضور أقليات المجتمع الأمريكي في الأفلام، حضور في صورة إيجابية منذ انتخاب باراك أوباما، ويستمر هذا بعد هزيمة اليميني دونالد ترامب.
تجري الأحداث في حي هارلم، موطن صعود الثقافة الأفروأمريكية، موطن الجاز في نيويورك منتصف القرن العشرين. مكان وزمان يولدان سياقا لشخصيات ذات لون محدد تسكن هناك. زمن توجّه السود إلى الموسيقى والرياضة لتحقيق ذواتهم. يضطر البيض للتعامل مع السود ليبرّئوا أنفسهم من العنصرية، يضطرون ويتعاملون لكن تفلت تعليقات مَريرة تكشف خبث صفقة التبييض. لقد استعاد الفيلم عوالم مرحلة وخاصة نغمات الساكسوفون التي خلقت أجواء بهجة في علاقات الشخصيات. استعاد الفيلم زمن انتشار التلفزة والثلاجة. بفضل توفر أكل مُجمد فقد حصلت النساء على وقت فراغ كبير لمشاهدة التلفزيون لوقت طويل. بهذه الاسترجاعات يظهر أن السوسيولوجيا والأنتروبولوجيا هما لب السينما لأنهما توفران المحتوى الذي ستفترسه الكاميرا. ويتعمق هذا المحتوى كلما جرى زرع القصة في سياق متميز ودال.
وغالبا ما يشار لهذا السياق في الحوارات، ولهذا فائدتان: أولا قلل كلفة التصوير. وثانيا حَمى خطّه السردي من تشتت المواضيع. فالكاميرا تتبع شخصين فقط طيلة الفيلم.
حاول مخرج فيلم “حب سيلفيا” أسطرة لحظة حب ليخلدها. في الفيلم كاستينغ يساعد المتفرج على التماهي مع الشخصيات. عبرت الممثلة تيسا طومسون عن مشاعر حب فائضة رغم أنها استخدمت مكياجا لكي تبدو أصغر من سنها، ليكون اندفاعها العاطفي مبررا. يتوقع المجتمع من النساء أن يكون حالمات أكثر لأن الواقعية المفرطة بشعة.
للقصص الرومانسية الناجحة التي تجري في الطبقات الشعبية صدى عميق، فهي تعزز فكرة أن الفقراء هم قمح وملح الأرض، بينما الأغنياء يفتقدون المشاعر الصادقة لأن المال يوفر لهم وسائل تسلية بديلة، تعفيهم من تحمل الحرمان والأشواق الحارقة.
بني الفيلم على سيناريو أنيق فيه اقتصاد كبير، تنطلق الأحداث ببطء وكأنها صدفة، ثم ما إن كان يخضع للصدفة يصير خاضعا لتخطيط وهدف وتكتيك. تتوالى التفاصيل السوسيولوجية التي تعزز مصداقية السرد. في كل صورة – مشهد جزء من الحكاية التي تعرض تصاعديا: تجري الاحداث في زمن بدء حصار أمريكا لكوبا، كان الجاز جزءا من حركة فنية طليعية منتصف القرن العشرين، موسيقى شعبية تقوض تقويضا تاما موسيقى النخبة وذوقها. صار السود والبيض يحضرون الحفلات معا. أمريكا تتغير.
للتأكيد على هذا التحول وضع المخرج حبكة فرعية لصديقة البطلة التي صارت مناضلة من أجل الحقوق المدنية للسود، ويبدو أن هذا موضوع حيوي حاليا بالنسبة للسينما الأمريكية لأن موقع برايم فيديو قد أطلق فيلما جديدا عن الموضوع. فيلم “ليلة في ميامي” 2021 من إخراج
ريجينا كينغ. يتخيل الفيلم لقاء بين الملاكم محمد علي ومالكوم إكس يناقشان دورهما في حركة الحقوق المدنية والثورة الثقافية التي شهدتها ستينيات القرن العشرين.
تجري أحداث فيلم “حب سيلفيا” في زمن تحولات اجتماعية، زمن صار فيه الزواج أقل استقرارا، لذلك صار الحلم الفني والمهني أهم من الزواج وتشكيل أسرة بالنسبة للحبيبين. يخضع الوقوع في الحب للصدفة، لكن تفضيل العزف على الارتباط العائلي هو اختيار.
كيف تبدأ علاقة حب بين شابين يحبان نفس الفن؟ كيف نعرف أننا نحب؟ متى تتكشف حقائق القلب؟ حين نحدد ما لا يمكن التخلي عنه بالضبط. حين تسري نغمة عزف الحبيب في الروح.
إن امتلاك شخصين لنفس الذوق الفني في السينما والموسيقى يُسهل تفاهمهما. حين يكونان معا دائما يوجد ما يقال، وذلك ما يُقلل الزمن الميت بينهما، يصير الفن رابطا عاطفيا في بيئة انقسامية تعرقل محاولات أي فرد للخروج من الدائرة التي ولد فيها.
يغذي الذوق الواحد الحب بصداقة حقيقية. بدأ الحب حين كان الجاز موضة المرحلة. كانت الموسيقى وسيلة ترقي واندماج اجتماعي. مرت السنوات تغير ذوق الجمهور لكن الحب ظل صامدا لأنه حب لم يخربه العناد المتبادل. اقتصاديا هناك مشكلة، لم يحقق ساكسوفون البطل ربحا ماليا لأن ذوق الجمهور تغير، بخلاف بيانو بطل فيلم “غرين بوك” 2019 إخراج بيتر فاريلي.
The post الموسيقى في فيلم "حب سيلفيا" .. عشق مزدوج بين امرأة و"ساكسوفون" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/2YwMtrF
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire