الإعلام والرأي العام والبروباغندا

واكب تبني مبدأ التحول الديمقراطي، اهتمام الأطراف السياسية والاجتماعية بالرأي العام لتستمد السلطة مستغلة عدة وسائل، أهمها وسائل الإعلام بجميع أطيافها مكتوبة، مسموعة ومرئية، بالإضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي، بل تلجأ في الكثير من الأحيان إلى استخدام عدة مفاهيم وتقنيات مثل البروباغندا.

كيف يتم السيطرة على العقول باستخدام الإعلام؟ وما هي التوجهات العامة لدور الإعلام في تأطير الرأي العام؟

طالما شهدنا وضع القوى الاستعمارية الإعلام في قمة أسلحته وفوق بقية الأسلحة الحربية المتنوعة، فالحرب الدعائية تساهم بشكل كبير في تحقيق الدول أهدافها ومآربها في كل أنحاء العالم.

وعلى نفس المنوال اعتمد الخطاب الإعلامي الموجه سياسيا، على اللغة الهجومية لاستباق الخصوم، عكس الإعلام المسؤول عن نقل الحقيقة، أو قولها.

الحرب الإعلامية هي فن النصر دون حرب.‏ ولكن الحرب الإعلامية ليست سوى المقدمة الضرورية لتحقيق النصر.

يمكن القول إن الإعلام تحول لخدمة الصراع والإعلاء من شأنه، الشيء الذي يؤثر في جهود التحول الديمقراطي، لتتحول من أدوات لنقل الحقيقة إلى أجهزة دعاية باعتماد منطق تهييج الغرائز والتحليلات مبتعدين عن الطريق الصحيح إلى المصلحة العامة، لترسم بذلك السباق بين وسائل الإعلام ووسائل الدعاية المنظمة المرتبطة بمحاور الصراع في الفضاء العام، مستغلة أداة الذباب الإلكتروني، وحملات الباحثين والمثقفين.

البروباغندا أثارت، وما زالت تثير، الجدل حول أخلاقيتها وممارساتها وحدودها، بل وماهيتها.

نجد أن عناصر مشتركة تسهم في نجاح البروباغندا، وهي الإيمان، الفن والمشاعر.

فقد أدرك إدوارد بيرنيز أهمية الإيمان عندما عمل على حملة تسويقية لإحدى شركات التبغ، بحيث ربط التدخين بقضية لها أنصارها وهي حرية المرأة، واستغل إيمان بعض النساء بالقضية لتسويق التدخين لهن، فحول السيجارة من مجرد تبغ ملفوف في ورقة إلى شعلة الحرية، حتى صارت المرأة المدخنة رمزا للمرأة الحرة.

ومن جهته، جورج كريل فيقول في رسالته إلى الرئيس وودرو ويلسون إن البروباغندا في معناها الحقيقي تعني غرس الإيمان. أما استخدام الفن في البروباغندا دليل على أهمية معرفة النفس البشرية، الفن يعطي للأفكار هيبة وقبولا تصعب مقاومته، وتستخدم المشاعر باعتبارها الانفعالات النفسية التي تضعف ملَكة التحليل والتفكير في كثير من الأحيان.

تعتمد إدارة الأزمات السياسية المصنعة على تقنيات التضليل الإعلامي، وهو ما يطلق عليه الخبراء عمليات الدعاية السوداء، بجعل السرديات أكثر تماسكا غير قابلة للافتضاح، وبتوظيف المعاناة، وتضخيم المقاربات واستخدام عمليات التنميط الإثني والقبلي والثقافي… كما أنها تستثمر التزوير بشكل واسع، سواء عن طريق المونتاج، أو من خلال المواد والوثائق المزيفة واستخدام شهود الزور، بل وتستغل شبكات التواصل الاجتماعي باعتبارها مساحة لبث تطلعات التغيير، ومنصات للتحشيد والتظاهر والاحتجاج. ثم إن تكريس المال السياسي يجعل مواقع التواصل الاجتماعي فضاء للترويج، وإيصال محتوى بلا جدارة أو صلاحية، تقديسا لمفهوم السلعة والاستهلاك، فالمال غير النظيف، يحدث فرصا سهلة وسريعة للتلفيق والتدليس.

لا يمكن إغفال ما تحققه وسائل الدعاية من انتشار، خصوصا مع قدرتها على المراوغة وكسب مزيد من الجمهور وتشويه وعيهم، وهو ما قدمه المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، أحد فلاسفة هذا العصر المشهورين من خلال عدد من الاستراتيجيات‏: استراتيجية الإلهاء والتي تتجسد في تحويل انتباه الرأي العام عن طريق ضخ وابل من الإلهاءات والمعلومات التافهة بشكل متواصلٍ وكثيف.

ثانيا ابتكار المشكلة بغرض إثارة ردة فعل معينة من قبل الأفراد حتى يطالبوا بالإجراءات المراد أن يقبل بها.

ثم استراتيجية التدرج؛ بمعنى أنه لكي يتم قبول إجراء غير مقبول يكفي أن يتم تطبيقه بشكل تدريجي.‏

استراتيجية المؤجل؛ إكساب القرارات المكروهة القبول لدى الأفراد، والإيحاء على أن تقديمها كحل مؤلم ولكنه ضروري‏، ثم مخاطبة الأشخاص كأطفال صغار بحجج وشخصيات ونبرة ذات طابعٍ طفولي، بحيث ستكون لديه ردة فعل مجردة من الحس النقدي.‏

الشيء الذي يوجهنا مباشرة إلى استثارة العاطفة بدل الفكر؛ وهي تقنية تستعمل لتعطيل التحليل المنطقي، وبالتالي تعطيل الحس النقدي.‏

إبقاء الأفراد غير قادرين على استيعاب التكنولوجيات والطرق المستعملة للتحكم بهم. تشجيع الأفراد على استحسان الرداءة في كل شيء، بعيدا عن المعرفة العلمية.‏ وأخيرا شل التفكير أو تعطيله وتشجيع الخنوع والقبول بالأمر الواقع مهما كان قاسيا.

يمكن القول إن تاريخ ظهور البروباغندا كمصطلح، كان في القرن السابع عشر بمعنى الدعاية؛ لتصبح كمصطلح حديث، تعبر عن عملية خداع المتلقي من قبل أفراد أو جماعات، بهدف التأثير على رأيه وتوجيهه واستمالته بما يخدم مصالحهم، وتكوين رأي عام يخدم أهدافا محددة مسبقا.

The post الإعلام والرأي العام والبروباغندا appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/2SXg8rg

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire