مبدئيا، يعتبر استعمال وسائل التواصل الحديثة من مستلزمات الحياة المعاصرة، ومن مظاهر التحديث داخل المجتمع، غير أن السؤال يبقى قائما حول مستويات التفاعل ومخرجاته مع هذه الوسائل، بالنسبة إلينا. وإذا أردنا التدليل بمثال فلن نحتاج إلى كبير عناء لنلاحظ أن الكثير من الناس عندنا يؤكدون باستمرار أنهم غير موفقين في تفاعلهم مع وسائل التواصل التي بحوزتهم.
ويمكن الإشارة هاهنا إلى الهاتف النقال، بما هو الوسيلة الأكثر تداولا بيننا، ليتأكد بالملموس أن عينات كثيرة من المواطنين والمواطنات يفتقرون إلى منظورات ضابطة وواضحة تمكنهم من توظيف هذه الوسيلة التواصلية بشكل ناجع ومفيد، سواء تعلق الأمر بالمستوى التقني، المقدور عليه، أو تعلق بالمستوى الوظيفي، وهو الأهم والأخطر، لأنه يفترض امتلاك الأفراد رؤية ثقافية وتربوية، تمكنهم من التحكم في هذه الوسيلة، وإحسان توظيفها، بما يجعلهم فاعلين، لا منفعلين فقط.
يسهل أن نلاحظ أن الكثير من المواطنات والمواطنين ينساقون بسهولة، وبلا أدنى مقاومة، مع كل ما يعرضه أمامهم هذا الهاتف، فبمجرد ما يقتني بعضنا أو جلنا هاتفا ذكيا، أو ما يسمى كذلك، إلا ويتحول إلى أسير رخيص، تتقاذفه مختلف المواقع الاجتماعية، وغير الاجتماعية، التي تتنافس على اجتذابه بكل الوسائل والغايات، الممكنة وغير الممكنة، وقلما تتاح له الفرصة، ليتوقف لحظة، كي يراجع علاقته بها، ويحدد موقفه منها، إما لأنه لا يملك ما يصد به هذا الهجوم الكاسح، الذي يباغته بلا هوادة، أو لأنه فقد كل فرص المبادرة، وتحول إلى مدمن مريض، ورهينة رخيصة في يد هؤلاء الذين يعيدون صناعة البشر اليوم، دون أن يسألهم أحد، أو يعرف أين يختبئون.. خبر يعقبه خبر، وشريط يتلوه شريط آخر، وحكاية تنسخها أخرى، بلا نهاية ولا توقف. وهكذا يعدو المواطن كائنا لاهثا مستعجلا، يقضي الساعات الطوال في استهلاك بليد لما يعرض أمامه، بلا تمكن ولا تمعن، ولا قدرة على الفعل.
ولنا أن نتصور مسارات هذا الاجتياح التكنولوجي الجارف ومخرجاته، في مجتمع لا يقرأ، ولا يريد أن يقرأ، ويرفض أن يبني علاقة منظمة مع فعل القراءة الجادة، حتى وهو يتحدث باستمرار عن أزمة القراءة؛ مجتمع تحتفل نخبه بالأمية، وتتوقف علاقتها بالكتاب والبحث عند عتبة التخرج، والحصول على الوظيفة. ماذا تفعل التقنية، وماذا يفعل الهاتف الذكي، أو ما يسمى كذلك، داخل مجتمعات شفوية، تبني معارفها وتمثلاتها على السماع، وأي سماع؟، إنها ضريبة التحديث، بلا أفق ثقافي، ولا منظور تربوي.
The post الهاتف الذكي وسؤال الجدوى appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/3uOnBqh
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire