الولايات المتحدة الأمريكية تُعلن الذكاء الاصطناعي ساحة حرب مع الصين

“من يتفوق في الذكاء الاصطناعي سيكون له قصب السبق والحسم في ساحات المعارك في العقود المقبلة”. عبارة كان وزير الدفاع الأمريكي السابق مارك إسبر قالها، وكررها أخيرا نائب وزير الدفاع الأمريكي العقيد روبرت وورك، خلال تقديمه خلاصة تقرير من أكثر من 760 صفحة عن الذكاء الاصطناعي في وزارة الدفاع. العقيد وورك قال أيضا إن الذكاء الاصطناعي صار ضرورة، والتسلح به شبيه تماما بوضع نظارات عقلية تشحذ الذهن المتخذ للقرارات كما تشحذ النظارات البصرية رؤية الشخص. نائب وزير أقوى دولة في العالم قال أمام الملأ إن الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم مهددة لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، بفقدان تفوقها التقني الذي ضمن لها التفوق الاقتصادي والعسكري. اعتبر العقيد وورك أن الذكاء الاصطناعي اليوم مهم بنفس أهمية الكهرباء عندما اكتشفه توماس أديسون وأنه سيد القطاعات ويحمل الأسرار التي ستحدد طريقة إعادة تنظيم العالم. وقد خلص التقرير الذي استعرض بعض مقتطفاته وأعده المركز المشترك للذكاء الاصطناعي، إلى أن الفوز على الصين في سباق ريادة الذكاء الاصطناعي يحتم تسخير قيادة مركزية وتوفير موارد وكيانات تطبيق ومتابعة، وتسريع تبني مفاهيم التعلم الآلي الذاتي في كافة المفاصل المؤسسية لوزارة الدفاع والوكالات الحكومية الأخرى.

حرب قيم

لم يجد العقيد غضاضة في الاعتراف بأن الصين يمكنها اللحاق بأمريكا في تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي خلال 5 إلى عشر سنوات، وأن إعلانها المتكرر التخطيط لقيادة العالم في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030 هو أمر قابل للتحقق ويجب عدم تركها تحرز هذا النصر، لأنها ستسخره لخدمة أجنداتها الاستبدادية وستستعمله لمراقبة السكان والشعوب وانتهاك خصوصية الناس وحرياتهم المدنية وقمع الأقليات وترويج قيم غير ديمقراطية.

ولذلك فهذه ستكون ليست حربا تكنولوجية فقط، وإنما حرب قيم أيضا. الأمر الآخر الذي اعترف به العقيد وورك هو أن الصين تتفوق في تصميم التطبيقات الذكية وفي اندماج وتكامل أنظمتها، بسبب مركزية القرار وقدرتها التنظيمية العالية، بينما لا يزال التفوق في المواهب والمهارات والتميز الأكاديمي حليف الولايات المتحدة.

الفوز ولا شيء غير الفوز

قال العقيد وورك إن هدف الوزارة الوحيد والأوحد حاليا هو الفوز بهذا السباق التكنولوجي وأنه واثق من تحقيق هذا الفوز. ولتحقيق ذلك، يتم التخطيط لرصد 8 مليار دولار سنويا في البحوث والتطوير في الذكاء الاصطناعي. أكد العقيد أن المقاربة الأمريكية للظفر بهذا السباق سترتكز على المواهب والأخلاقيات والشراكات الدولية مع الحلفاء والشركاء، وأضاف أنه يجري تكوين فرق عمل لمتابعة تطوير المفاهيم المبتكرة العملياتية في هذا المجال واستخدام الحوسبة الكمية بشكل أفضل وتكثيف العمل في النمذجة الاستشرافية والمحاكاة.

من جهته، قال مايكل غروين، مدير المركز المشترك للذكاء الاصطناعي، إن الأولوية الحالية للوزارة هي الحفاظ على علو كعب الجيش الأمريكي وكفاءته عبر عصرنة طرق قتاله، معتبرا أن الذكاء الاصطناعي هو الركيزة الأساسية لعصرنة الجيش ومواجهة الخصوم وعلى رأسهم الصين وروسيا. عصرنة الجيش عبر إدماج الذكاء الاصطناعي في كافة عمليات الجيش ليست ضرورة عسكرية فقط، بل اقتصادية أيضا.

هواة ومحترفون

يرى غروين أن عصرنة الجيش يحتم تغيير أنظمته التشغيلية وإحداث تغيير مؤسسي حقيقي، فضلا عن إدارة التغيير في الموارد البشرية والممارسات وكيفية إدارة الأعمال. ويضيف أن السباق الجديد يتيح التنافس ويجلب الفرص في الآن ذاته. كما لفت في تلميح انتقاصي من الصين إلى أن الهواة في هذا المجال يتحدثون عن التطبيقات بينما المحترفون (الأمريكان) يتحدثون عن الهندسات والشبكات.

ولا يخلو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وإدماجه في مفاصل مؤسسة حيوية كوزارة الدفاع من مخاطر، وعلى رأسها الهجمات السيبرانية التي تتهم أمريكا الصين وروسيا باحتراف شنها. ولذلك، لم ينس العقيد وورك التذكير بأهمية حماية الأنظمة والبيانات والبنيات الخوارزمية كما يتم حماية سلاح حيوي جدا، خصوصاً أن أي تسميم للبيانات أو التلاعب بها قد يسبب خسائر كبرى نظرا لأن الذكاء الاصطناعي سيتم إدماجه في معظم الممارسات الإدارية والعملياتية والميدانية.

16 تريليون دولار

خلال السنوات العشر القادمة، من المتوقع أن يحصد المستثمرون في سوق الذكاء الاصطناعي نحو 16 تريليون دولار، ولذلك عقدت الصين عزمها على ريادة هذه السوق التريليونية في أفق 2030. ولا شك أن الوقت مناسب جدا لها حالياً، فالصين التي احتفلت في فبراير الماضي بنجاح تشي جين بينغ في القضاء على الفقر المدقع واستئصاله من صفوف مليار و400 مليوم صيني، تمضي اليوم قدماً في مراكمة إنجازاتها. فقد اخترقت كل الآفاق، بدءا من ولوج نادي الدول النووية في 1964، مرورا باللحاق بنادي الدول المستكشفة للفضاء والقمر والمريخ والإعلان عن عزمها استكشاف ثرواته الصناعية، ووصولا إلى تحقيق معجزة الأمن الغذائي لسكانها الذين يمثلون نحو 20% من سكان العالم.

مئوية الصين

لا تخفي الصين بأنها تخطط لاحتفال أسطوري بمئويتها التي ستخلدها عام 2049. وإذا كانت قد أصبحت حاليا قاب قوسين أو أدنى من ريادة العالم بسبب قدراتها الذاتية واضمحلال القوة العظمى الأمريكية، التي سادت لأكثر من ثلاثة عقود خاضت خلالها حروبا عدة وخلفت بؤر توتر في أكثر من منطقة، فإن الصين تزحف بسرعة شديدة نحو استلام مشعل قيادة العالم بثبات ومن منظور مختلف تماماً. ولعل هذا الموقف القوي الذي أصبحت الصين تحتله هو ما يبرر الإجماع الأمريكي على اعتبارها العدو الأول للأمن القومي وفتح جبهات نزاع متعددة معها. فبعد الحرب التجارية غير المسبوقة التي شنها دونالد ترامب على الصين، يأتي خلفه الديموقراطي جو بايدن ليفتح على الصين جبهات متعددة. غير أن الصين التي عانت سوء تعامل ترامب الذي كان يصر على إذلالها بحروبه الكلامية واتهامها باحتراف سرقة الملكية الفكرية وسرقة الوظائف ومليارات الدولارات واستغلال أمريكا لسنين، وجدت نفسها أمام رئيس مستنزف بمواجهة كورونا والانقسام الداخلي ويسهل من ثمة تسديد الضربات إليه وتحقيق مكاسب على حسابه، ولعل تلك الجرأة غير المسبوقة للوفد الصيني في ألاسكا خلال لقاء الوفد الأمريكي بقيادة وزير الخارجية أنثوني بلينكن ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان هي نذير شؤم ينبئ ببدء أفول نجم أمريكا في سماء عالمنا الحديث. إذ كال المسؤولون الصينيون لنظرائهم الأمريكان سيلا من الانتقادات الخشنة والاتهامات القاسية التي ما كانوا يجرؤون البتة على توجيهها لمسؤولي الإدارة السابقة.

The post الولايات المتحدة الأمريكية تُعلن الذكاء الاصطناعي ساحة حرب مع الصين appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/3fZ5f1C

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire