كورونا الجميلة وكورونا القبيحة

يتفاوت الناس حتى في المصائب النازلة بهم وفي ذلك مثل مغربي معروف. فاليوم، لم يكن لمرضى الوباء أن يحلموا بما حظيَ به “زملاؤهم”، ولو معشار ما فاز به السابقون.

كان الجو احتفاليا، أشبه بكرنفال برازيلي، يشيعون فيه المصاب ويحتفلون به مثل المحطِّم رقما قياسيّا، منذ اللحظة الأولى التي أعلنت فيه إصابته، وحتى عودته إلى البيت، محاطا بكمّ غفير من المصفقين والمزغردين والميكروفونات تتخطفه. وبعد أن يدلي بتصريحاته إلى كل تلك المنابر النابتة المتطاولة، يُقبّل الأرضَ أمام الناس لابسا كمامته.

ورغم أن قلة من الموبوئين القدامى رماها حظها التعس خارج السياق الوبائي الاحتفالي، تشكو رداءة الطعام وقلة الاهتمام، فإن الغالب من ذوي الإصابة كانوا أصحاب حظ عظيم. في عز الوباء كان للمصابين حظّ من الخبز الباريزي واللحم المفروم ونوع واحد من الفواكه على الأقل، والمجسّات موصولة تقيس نسبة الأوكسجين في الدم ونبض الحياة في القلب.

ثمّ ألم نر منهم من حوّل حجرة العزل إلى عرس مغربيّ تتعالى فيه “الشطحات”، بل إن منهم ومنهنّ من “زادت” قوته فتدلى فوق الأسرة الحديدية مثل سوبرمان “مُكوفد”، ومنهم أيضا من زادت عافيته فجمع من الصنابير والشراشف والصحون والكؤوس والملاعق، يعدّها غنيمته التي حصل عليها في حربه ضد الفيروس.

كانت كورونا في مهدها “جميلة” رغم كل شيء، تعطي أكثر مما تأخذ. كانت تأخذ قليلا، مضطرة لا غير، وحتى إذا أخذت، فإنه تأخذ الواحد أو الاثنين أو الثلاثة إذا اشتد اضطرارها. وكان الناس وكأنهم يتقبلون حاجتها في تفهمٍ وحسن إنصات غريبين، فالفيروس لا بد أن يفتك على كل حال، فذاك من صميم عمله، والمغادرون كانوا ولا بد أصحاب أمراض مزمنة، وعموما كانوا ليذهبوا سواء بسبب كورونا أو من غيرها.

لم تكن الحظوة خاصة بالموبوء وحده، فقد طالت العناية المريض وأهله ومخالطيه ومُخالطي مخالطيه، وأحيط بهم، ووضعوا أمام الدار وفي رأس الحي من يحرسهم ويُبقيهم في منازلهم طيلة الأسبوعين.

اليوم هاج الفيروس فكثُر عددُ الموبوئين وتشابهت الأعراض عليهم، فلا يدرون أهي النازلة أم نزلة البرد القديمة كما يعرفها الناس، فلا زنجبيل يدفع ولا تميمة تنفع. وهام الناس على أنفسهم في المستشفيات والمراكز الصحية والخيام المنصوبة على عجل:

ـ يا ناس، يا عالم، أنا موبوء، صدّقوني أنا موبوء، أخضعوني للتحليل!

اصطفّ أصحاب الحالات المشتبه فيها والمخالطون والذين احمرت سحناتهم غضبا ومرضا، (كادوا يؤسسون جمعية المرضى الذين لم يُؤبه بهم وأُعرض عنهم)، وطاف الناس وحاموا حول مراكز التشخيص، يحملون أعراضهم، والمحظي من يلقموه حفنة أقراص، فيُؤمر بابتلاعها بعيدا، بعيدا عنهم، وسط الأهل والأحباب.

غدرت كورونا بالمتأخرين وشمتت بهم، فلم يحوزوا لا طاقةَ ورد ولا مُدّت لهم يد. لم يمدّ أحدهم يده ولا مِجهاره، مصفقا أو مستجوبا، وولّى الناس جهة المشافي المتربصة يوقعون الصكوك المسبقة عساهم يُقبلون.

وأصبح حوز سرير وشهقة أوكسجين حلما لا يناله إلا الدافعون. وبكى الناس أمام الميكروفونات هذه المرة، يشكون انقلاب الفيروس، وأيامه التي غذت جذبا وقفرا وموتا. وتسابق الناس يجمعون الفيتامين البرتقالي، يمصّونه تحسبا لأي هجوم غادر، أليس الهجوم أفضل وسيلة للدفاع. وهكذا اختفى الفيتامين وتوابعه الثلاثة من الصيدليات، وبيع الفيتامين البرتقالي في السوق السوداء، وتداولته الأيدي على الشبكة العنكبوتية خِلسة وعلانية.

وفي ذلك مثل مغربي معروف.

The post كورونا الجميلة وكورونا القبيحة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/3psFJ6v

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire