تناول أحمد موسى، جامعي وباحث في الدراسات الإيرانية، في مقال له بعنوان “تقدير موقف بشأن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران”، مجموعة من الجوانب المرتبطة بإعلان المملكة العربية السعودية وإيران، خلال الأيام الأخيرة، بعد وساطة صينية من رأس هرم الدولة، عزمهما إعادة الدفء إلى علاقاتهما الدبلوماسية، مذكّرا بـ”العلاقات الدبلوماسية المتذبذبة بين الدولتين على مدى العقود الأربعة”.
هذا نص المقال:
أعلنت كل من العربية السعودية وإيران، خلال الأيام الأخيرة، بعد وساطة صينية من رأس هرم الدولة، عزمهما إعادة الدفء لعلاقاتهما الدبلوماسية ليضعا بذلك نهاية لسنوات من الجمود والقطيعة بين علاقاتهما، والتي كانت ملفات ساخنة عديدة قد أجّجتها وعجلت بتأزيمها ومن ثَمَّ قطعها؛ لم تكن أولها الحرب التي أعلنتها المملكة العربية السعودية على الحوثي اليمني، ذراع إيران في خاصرة السعودية، بعدما تمادت هذه الميليشيات في الاستقواء على الفرقاء اليمنيين واتضحت أطماعها في الاستئثار بكعكة الحكم محاولة استنساخ تجربة حزب الله في لبنان. مثلما لم تكن التدخلات الإيرانية السافرة في شؤون دول التعاون الخليجي وزعزعة استقرارها، وحرق البعثات الدبلوماسية السعودية بإيران آخر هذه الملفات.
في الحقيقة، العوامل الكامنة وراء تدهور العلاقات السعودية الإيرانية تستعصي على الحصر لكثرتها؛ وقد كانت دومًا متأرجحة مترنحة، تأرجح المصالح المتضادة بينهما؛ لأن كلاًّ منهما يسعى إلى فرض نفسه على الساحة الإقليمية كدولة قوية ونافذة، وعلى العالم الإسلامي كدولة قائدة ورائدة؛ كما أنّ بين الدولتين خلافات حدودية في مياه الخليج العربي، ناشئة عن احتلال إيران للجزر الإماراتية العربية، والاستغلال المتزايد للمصادر الهيدروكربونية للخليج.
وباستعراض العلاقات الدبلوماسية المتذبذبة بين الدولتين على مدى العقود الأربعة، التي انصرمت من عمر نظام الجمهورية الإسلامية الحاكم في إيران، يتبيّن أن الصلات بينهما لم تكن قطُّ في المستوى المطلوب، بل لا نكاد نعثر على نقطة ضوء واحدة في تاريخ هذه العلاقات، والسبب يكمن في تضاد المصالح المشار إلى بعضها، والتي كفلت تأزيم العلاقات بين البلدين وتفجيرها إلى درجة أن السعودية وإيران وصلتا أكثر من مرة إلى حافة التصعيد، بل إلى اندلاع الحرب بينهما؛ الحرب بالوكالة التي تخوضها إيران ضد السعودية عبر أداتها الحوثيين.
إنَّ تاريخ العلاقات بين البلدين، خلال العقود الأخيرة، يشهد على شروع التوترات سنة 1987، حين تظاهر آنذاك الحجاج الإيرانيون في الحرم المكي وأحدثوا فوضى اشتبكوا على إثرها مع قوات الأمن السعودي، ما أفضى إلى مقتل 400 حاج إيراني وجرح 300 آخرين؛ وأعقب ذلك إغلاق السعودية سفارتها في طهران وقطع العلاقات الدبلوماسية معها.
ونحن نستحضر هذه المعطيات التاريخية والسياسية للبلدين يتبيّن لنا بالملموس أنَّ السياسة لا تؤمن بشيء اسمه عداوة دائمة أو صداقة دائمة أو بشيء يدعى المبادئ والمواقف الثابتة وغير المتقلبة. من المؤكد أن الدبلوماسية السعودية لها باع طويل في تدبير ملفات شائكة في المنطقة العربية وحتى خارجها، وبالقدر ذاته فإن الدبلوماسية الإيرانية مشهود لها بالكفاءة العالية، وتتسم بطول النفس، وتجيد الاستفادة من أنصاف الفرص لتسجيل النقط لصالحها. من المؤكد أيضًا أن المسؤولين في السعودية درسوا هذه الخطوة جيدا، بكل حيثياتها وتشعباتها وتداعياتها، قبل التوصل إلى عقد هذا الاتفاق، سيما أن الاتصالات بين الطرفين انطلقت قبل عامين من الآن، وعقدت جولات من الحوار بينهما في كل من سلطنة عمان والعراق وأخيرا في الصين. لكن من ناحية أخرى يبدو لي من خلال استحضار العقيدة السياسية الإيرانية، التي تمتح من أيديولوجيتها المذهبية القائمة على مبدأ تصدير الثورة ونشر التشيع في البلدان العربية السنية، كمقدمة للتغلغل وبسط النفوذ الإيراني بهذه البلدان؛ وليست لبنان وسوريا والعراق واليمن منا ببعيد؛ يبدو لي أن السلوك الإيراني في ظل هذا النظام مستعصٍ على التعديل. بمعنى أنني لا أتصور عدول إيران عن مخططاتها في محيطها الخليجي والعربي أيضًا، ولا أستسيغ تراجع إيران عن أجندتها المعروفة وعن ثوابتها في السياسة الخارجية، إلا إذا وضعت ذلك في إطار مناورة سياسية إيرانية جديدة تتغيى الانحناء للعاصفة حتى تمر. كيف لا وهي تعيش منذ سنوات على وقع احتجاجات شعبية عارمة لا تكاد تخبو في فترة من الفترات حتى تعود لتندلع من جديد أكثر زخما وشمولية.
أعتقد أنَّ إيران تنظر إلى هذه الخطوة السعودية على أنها طوق نجاة، ولسوف تتشبث به إلى أن تتجاوز الأزمات الداخلية التي تكاد تعصف بنظامها، وإلى أن تستعيد التوازن في علاقتها مع العالم بشأن ملفها النووي والملفات الأخرى المرتبطة به.
لكن من ناحية أخرى يبدو لي أنَّ السعودية- وهي في رأيي أكثر من يعرف النظام الإيراني من بين الدول العربية- لا يمكن أن تعوِّل كثيرًا على هذا الاتفاق. وقد تكون مبادرتها هذه مناورة من جهتها أيضًا تبتغي من ورائها تحقيق مكاسب آنية وأخرى على المدى البعيد، وما يعزز هذا التحليل عوامل عدة؛ أولها اختبار نوايا إيران في إصلاح ذات البين ونسج علاقات طبيعية بين البلدين بما تستدعيه من احترام متبادل وعدم المس بالاستقرار والأمن وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وغير ذلك. ثانيها محاولة احتواء إيران وتعطيل مخططاتها التخريبية بالمنطقة عبر انتزاع التزام إيراني بموجب هذا الاتفاق بعدم العبث بمصير الدول الخليجية، وبالتالي العمل على عزل ميليشيات الحوثي، ومحاولة إعادته إلى طاولة المحادثات مع الأطراف اليمنية الأخرى، بعدما فشلت الحرب في تحقيق هذا الهدف.
لكن هل سترضى إيران، بالفعل، بالقبول بالانكفاء على الذات وتعطيل كل مخططاتها التوسعية في محيطها الإقليمي فقط من أجل نسج علاقات طبيعية مع الرياض؟ وما هي المكاسب التي ستجنيها من وراء هذه الانعطافة “البطولية”، على حد تعبير مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي؟ وإلى أي حد سوف يصمد هذا التصالح في ظل تضارب المصالح بين أجنحة النظام الإيراني وكثرة المتدخلين واللاعبين السياسيين في الداخل الإيراني؟
كل هذه الأسئلة، وغيرها كثير، تبقى بدون أجوبة الآن، لكن المستقبل القريب كفيل بكشف النوايا الحقيقية لإيران من وراء هذه الانعطافة؛ وإن كنت شخصيًا لا أثق في نوايا طهران، وأرى هذه الخطوة مناورة أخرى من مناوراتها التي لا تنتهي.
The post موسى يقرأ خلفيات استئناف العلاقات بين السعودية وإيران.. مناورات وطوق نجاة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/hy6VWUX
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire