من ظهور الإنسان العاقل بالمغرب في التاريخ القديم إلى دخول الإسلام، يضمّ كتاب جديد التطورات الكبرى التي شهدتها هذه الفترة بهذا القُطر في شمال غرب إفريقيا، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وحضاريا ودينيا.
كتاب المؤرخ امحمد جبرون المعنون بـ”تاريخ المغرب القديم من ظهور الإنسان العاقل إلى الفتح الإسلامي”، ثالث عنوان في سلسلة سبق أن اهتمّت بـ”تاريخ المغرب الوسيط والحديث” و”تاريخ المغرب المعاصر”، يضم خمسة فصول تؤرخ لتكوّن المجال الطبيعي وظهور الإنسان، ومغرب العصور الحجرية والمعدنية، والمملكة المورية أول دولة مغربية في التاريخ، وتاريخ الاحتلال الروماني ومقاومته وصولا إلى دخول الإسلام، مع الاهتمام بكافة الجوانب الحضارية في ذلك الإبّان.
ومن بين ما يتحدث عنه المؤلف الجديد “المملكة المورية” التي تعتبر “أول مملكة مغربية في التاريخ”، و”هي من الممالك المتوسطية المظلومة في التاريخ، التي لم توفَّى حقها. وقد استغرقت هذه الدولة أزيد من خمسة قرون قبل الميلاد، واستمرت بعده إلى سنة 40 ميلادية. وكان أول من عرفنا من ملوكها باكَا (…) وقد استطاعت هذه الدولة الحفاظ على استقلالها عن الرومان بعد سقوط قرطاج، واستمرت على ذلك بخلاف الممالك الأهلية الشرقية حتى سنة 40 للميلاد.”
ومن الأمور التي يذكّر المؤلف بأن “الحضارة المغربية القديمة” قد تميزت بها “ولعلها لا زالت مستمرة إلى اليوم”، كونها “لم تكن في العصور التاريخية التي نعرفها حضارة إثنية أو عرقا معينا، بل كانت حضارة أرض تفاعلت فوق ترابها عدّة أعراق وقبائل وافدة من الجنوب الإفريقي، ومن الشرق الإغريقي والفينيقي، ومن الشمال الروماني”، فضلا عن “القبائل المحلّية المورية أو اللّيبية”، التي جاورتها “عناصر فينيقية، وقرطاجية، وإيطالية، وإيبيرية، ومن وسط أوربا… وكانت هذه العناصر تعدّ بالمئات إن لم تكن بالآلاف، وانصهرت هذه الجماعات مع بعضها البعض، واختلط دمها بصورة يصعب التمييز بينها.”
وتابع كتاب “تاريخ المغرب القديم” بأن “الجماعات البشرية التي استقرت بالمغرب، وأنتجت حضارته، كانت متنوعة ومتعددة (…) وتاريخ المغرب القديم انطلاقا من هذه الرؤية التركيبية لا يوجد وراءنا، بل إنه على الحقيقة يوجد أمامنا، وهو ما يبرز أهميته في حاضرنا ومستقبلنا، فالكثير من العادات السياسية والحضارية التي تميز هذا البلد تعود جذورها إلى هذه العهود السحيقة من تاريخ المغرب، كما أن الهوية المتوسطية للمغرب، وارتباطه بالضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، وخاصة إيبيريا، قدر لا يمكن تجاوزه، حيث يؤكد هذا التاريخ الصلات المباشرة والدائمة بين الضفتين في مختلف مراحل هذا التاريخ.”
وفي المجال الديني، ذكر الكتاب أنه “بالرغم من الأبحاث الكثيرة التي أجريت، فإننا لا نعلم على وجه الدقة واليقين ديانة أو أديان الموريين، لكننا نقف على مزيج مختلط ومتعدد الروافد من الديانات والعقائد، بعضها مَحلّي مرتبط بتقديس الحيوانات وبعض البشر… وبعضها أجنبي وافد من الخارج مع الإغريق والفينيقيين والقرطاجيين، غير أن أبرز ديانة ارتبطت بالموريين أكثر من غيرهم هي عبادة الكبش.”
تحقيبيا، انطلق جبرون من تاريخ 300 ألف سنة قبل الحاضر، لأنه “أبعد تاريخ تعرفنا فيه على وجود الإنسان العاقل (Homo Sapiens) بالمغرب الأقصى، ودلّت عليه حفريات جبل إغود جنوب شرق مدينة أسفي”، كما جعل من “ظهور الكتابة اللّيبية، أو المورية، حوالي 500 سنة قبل الميلاد بداية التاريخ في المغرب الأقصى، بخلاف عدد من الأعمال والأطروحات التي جعلت من ظهور الفينيقيين بالسواحل المغربية بداية التاريخ في هذه الناحية من العالم.”
ويرى جبرون في خلاصة كتابه أن “تاريخ المغرب القديم دليل على خصوصية المغرب الأقصى، وأن تاريخه في جانب كبير منه متميز ومستقل عن تواريخ أقاليم إفريقيا الشمالية، فبالإضافة إلى كونه مهد الإنسان العاقل، وأن قصة البشرية انطلقت من آفاقه الأطلسية أو على الأقل في نفس الفترة تقريبا التي ظهر فيها الإنسان العاقل على صعيد العالم، فإن المغاربة كانوا من الشعوب الأولى التي اكتشفت الزراعة ومارستها، ودجنت الحيوانات… كما أن تاريخ الدولة بالمغرب يتجاوز 2500 سنة.”
وواصل: “كانت هذه الدولة بعد خمسة قرون-على الأقل-من تأسيسها آخر ناحية يحتلها الرومان سنة 40 ميلادية، واحتلوا فقط جزأها الشمالي، كما كانت أول ولاية انسحبوا منها سنة 285 ميلادية، حيث أمسى كامل التراب المغربي تقريبا مستقلا ابتداء من سنة 285 ميلادية وحتى مجيء الإسلام في بداية القرن 8 للميلاد.”
ويأتي هذا المؤلف في ظل استغراب عبر عنه كاتبه من كون “أغلب ما يتُداول مغربيا من نصوص تركيبية حول تاريخ المغرب القديم هي من تأليف أجنبي، وتحظى بإقبال كبير، بالرغم من ثغراتها المعرفية، وميولاتها الإيديولوجية الواضحة، حيث تسعى بمناسبة أو بغيرها لتجريد المغاربة من كل إنجاز تاريخي عظيم في ماضيهم السحيق”.
ولهذا جاء هذا العمل “محاولة علمية نظن أنها جادّة ومسؤولة لسدّ الخصاص في مجال حيوي من مجالات الثقافة المغربية المعاصرة، وخاصة في ضوء تزايد الطلب على التاريخ القديم بالتزامن مع صعود الأصولية الثقافية في المغرب وفي البلدان المغاربية.”
ووعد جبرون قرّاءه بأنه سيبقى في “خدمة المعرفة التاريخية المغربية”، بالسعي إلى “تجويد هذا العمل وتطويره في ضوء ما استجد من أبحاث واكتشافات أركيولوجية وأدبية.”
The post كتاب يهتم بتاريخ المغرب القديم من ظهور الإنسان العاقل إلى الفتح الإسلامي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/97zCS8n
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire