أبيض أو أحمر .. جدل الألوان لصباغة البنايات يشغل البال في مدينة بني ملال

تيمّنا بلون الثلوج التي تغطي قمّة تاصميت وجبل أغنين في فصل شتاء، سميت بني ملال على بياضها، فـ”أملال” أو “أومليل” هو اسم أمازيغي يعني الأبيض، وهو مركب من كلمتين “بني” وتعني أبناء ويقابلها (آيت) و”ملال” وهي اختصار لكلمة اَمْلاَّلْ (Amellal) أي اللون الأبيض بأمازيغية الأطلس المتوسط، ما يعني أبناء اللون الأبيض.

وصفة البياض هاته التي ترسخت في ذاكرة الملاليين وأضحت عندهم موروثا، لم تعد منذ حوالي أزيد من نصف عقد من الزمن مرتبطة بهذه المدينة بعدما اكتست لونا مغايرا اسمه “أحمر المامونية”. واللون الأحمر لا يعكس الطبيعة الخضراء التي تحتضن المدينة، ولا بياض الثلوج التي تتناثر عليها من أعلى القمم الجبلية، بقدر ما يخدش هويتها التاريخية، وفق تصريحات فعاليات محلية وثلة من الشباب لهسبريس.

بني ملال بيضة في عش أخضر

بخصوص الجدل الدائر حاليا في بني ملال بشأن لون المدينة، قال الدكتور الباحث المصطفى عربوش، المختص في تاريخ سهل تادلا: “لا بد من الإشارة الى أنه تاريخيا كانت بني ملال معروفة باللون الأبيض، فهي أشبه ببيضة في عش أخضر، حيث تحاط المنازل البيضاء ببحر أخضر من البساتين والأشجار الشامخة”.

وأضاف أن “السلطات الولائية كانت قد اختارت في سنة 2000، بموافقة لجنة مختلطة تتكون من فعاليات متنوعة، اللون الأبيض المنكسر/البيح، وتم حينئذ إنتاج لون باسم المدينة، يسمى بيج بني ملال، تم اعتماده بشكل موحد من طرف السكان وجرى وقف فوضى تنافر الألوان التي كانت تعرفها المدينة”.

وأشار إلى أن “الوضع بقي على حاله إلى أن اكتست المدينة في السنوات الأخيرة لونا أحمر يُميز مدنا أخرى، وبالأخص مدن الدير كمراش وخنيفرة وقصبة تادلة وأزيلال، يبدو متنافرا مع طبيعة المنطقة التي تتسم بالخضرة (…)، وهو لون لم يلق قبولا من السكان وتنكمش منه الأنفس، ما يستدعي إعادة اللون الأبيض المنكسر/البيح للمدينة للحد من فوضى الألوان التي باتت تطبع المدينة حاليا”.

بدوره، أكد الفنان التشكيلي هنو عبد العزيز، الذي ترعرع في المدينة، أن “الحديث عن مدينة بني ملال لا يستقيم دون استحضار خرير مياه عين أسردون وأشجار الزيتون التي تحافظ بنسبة كبيرة على اخضرار أوراقها طول السنة، وأشجار الصنوبر والصفصاف، وقمم تصميت وجبل أغنين وما ينثرانه من ثلوج بيضاء على قلب المدينة”.

الطبيعة مصدر عشق وإلهام.. والأبيض موروث

وقال هنّو الذي يدافع بقوة على اللون الأصلي للمدينة: “هذه المشاهد الطبيعية التي كانت تشكل مصدر عشق وإلهام للأدباء والشعراء والفنانين التشكيليين، والتي ترسخت في أذهان أهل المدينة وزوارها، وتعدُّ جزءا من هوية الملاليين وذاكرة مكان متجذر في التاريخ، لا يستسيغ لأي كان أن يمحو آثارها بجرة قلم، لأنها بكل بساطة من وحي الطبيعة وليست من صنع الإنسان”.

“وكما لمراكش وفاس أو عروسة الشمال وباقي المدن المغربية هويتها، فالأبيض المنكسر بالأصفر (blanc cassé) أو ما يسمى بالبيج، جزء من هوية المدينة، وهو موروث مادي، ولا يمكن لنا كفاعلين محليين أن نسمح بانسلاخ المدينة عن جزء من موروثها بارتداء اللون الأحمر”، يروي المتحدث لهسبريس.

اللون الأحمر يضجر الناظرين

وقال الفنان التشكيلي ذاته الذي لم يتوان في الترافع لدى الجهات المعنية ومراسلة السلطات من أجل إرجاع اللون الأصلي إلى المدينة: “للأسف، أصبحت بني ملال منذ أن اكتست اللون الأحمر تضجر الناظرين بلون لا يتناسق وطبيعتها”. لافتا إلى أن “طبيعة مراكش ومناخها شبه الجاف يختلفان عن طبيعة بني ملال التي تتسم بالخضرة”.

وللجمعيات رأي.. الأحمر يصنع الكآبة

من جانبه، ذكر سعيد فالق، رئيس نادي عين أسردون للصحافة، أن “النادي كان أول من أثار هذه النقطة مع الوالي السابق محمد الدردوري، من خلال مراسلة في الموضوع. كما بعث برسالة إلى المجلس البلدي الذي أدرجها كنقطة في إحدى دوراته، لكن تم إقبارها.”

وأضاف فالق أن نادي عين أسردون للصحافة مصر، إلى جانب جمعيات أخرى، على “إرجاع اللون الأبيض إلى بني ملال بما أنه يعكس جمال هذه المدينة المتميزة بطبيعتها الخلابة وألوانها الزاهية”، وتساءل: “لماذا تم تحويل لون مدينة بني ملال من الأبيض إلى الأحمر بهذه السرعة، ما خلق رؤية نشاز بالنسبة لنا؟”.

من جهته، أفاد الحسين حرشي، رئيس لجنة التعمير بجماعة بني ملال، بأن “أغلب الملاليين مع مطلب إعادة اللون الأبيض”، مشيرا إلى أن “المدينة عرفت بهذا اللون منذ فترة، والساكنة تفاجأت بهذا اللون الأحمر الماموني الذي يخلق سوداوية ويصنع الكآبة، والذي تم فرضه دون استشارة مع مختلف الفعاليات الحقوقية والفنية”.

وأضاف حرشي، وهو الفاعل الجمعوي المهتم بقضايا حقوق الإنسان، أن “المدينة بمثقفيها وشيوخها وشبابها ونسائها مع اللون الأبيض/البيج، وهناك عرائض وتوقيعات رهن الإشارة في هذا الشأن، وما على الجهات المسؤولة إلا الإنصات لنبض الشارع والإسراع بدعم هذا المطلب وإخراجه إلى حيز الوجود”، مؤكدا أنه ورفاقه “سيناضلون إلى أن يتحقق”.

منتخبون يطالبون بالتداول في اللون

وفي الشأن ذاته، راسل 20 عضوا بمجلس جماعة بني ملال رئيس المجلس الجماعي، أحمد بدرة، من أجل إدراج نقطة في جدول أعمال الدورة تتعلق بالتداول لتغيير لون واجهات البنايات بتراب الجماعة من اللون الأحمر إلى اللون الأصلي للمدينة، وهو الأبيض الفاتح للواجهات الحائطية والرمادي للنوافذ والأبواب، معتبرين اللون الأبيض جزءا من التراث المحلي.

الرأي الآخر

وفي السياق ذاته، لا بد من الإشارة إلى أنه في مقابل هذه الفئة التي تدافع بقوة عن اللون الأبيض، هناك فئة أخرى، وإن كانت أقل عددا، متشبثة باللون الأحمر، بمبرر أنه يحجب الأوساخ الناتجة عن التساقطات المطرية ويكسر حدة أشعة الشمس التي تعرفها المدينة خلال فترة الصيف.

The post أبيض أو أحمر .. جدل الألوان لصباغة البنايات يشغل البال في مدينة بني ملال appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/DXbWAoY

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire