مراهنا على كيفية إحياء المسار الأممي للمفاوضات وإقناع كل الأطراف بالعودة إلى مسلسل الموائد المستديرة الذي ترفضه الجزائر، ومذكرا بالقرار الأممي رقم 2602 الصادر في 29 أكتوبر 2021 الذي دعا جميع أطراف النزاع المفتعل إلى استئناف المفاوضات، طار ستيفان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، إلى عواصم ثلاث دول أوروبية خلال الأسبوع المنقضي، في جولة “رحلات مكوكية”.
وبالتزامن مع جدولة مجلس الأمن، رسميا، لأربع جلسات، خلال شهر أكتوبر الجاري، مخصصة لنقاش تقرير الأمين العام الأممي وتطورات قضية الصحراء المغربية، كان دي ميستورا يستأنف سلسلة المشاورات الدولية مع كل من وزراء خارجية دول إسبانيا وبلجيكا وثم روسيا؛ في محاولة منه “توسيع رقعة النقاش الأممي” حول الملف.
روسيا، التي تجمعها بالجزائر اتفاقيات تسليح ودفاع ضخمة، كانت آخر محطة حل بها مبعوث الأمم المتحدة، مساء الجمعة، قصد إطلاع سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، على التطورات الأخيرة في القضية، وكذا الخطط المستقبلية للأمم المتحدة بعد صدور تقرير مجلس الأمن الدولي. هذا الأخير الذي دعا دول المنطقة إلى الانخراط بـ”حسن نية” في المفاوضات السياسية من أجل إنهاء النزاع، لافتا إلى “استعداد الأمم المتحدة لعقد اجتماعات مكثفة مع جميع المعنيين بالملف”.
جولة “عادية”
الموساوي العجلاوي، محلل الشؤون الإفريقية والخبير في العلاقات الدولية، وضع لقاءات دي ميستورا ضمن خانة “المألوف والعادي”، مسجلا أن “العادة قد جرت دائما قبيل اجتماع مجلس الأمن للحسم في تمديد مهمة بعثة ‘المينورسو’ أن يجول المبعوث الشخصي للأمين العام الأممي بين الدول الأساس الداعمة، التي لها عضوية مجلس الأمن أو أنها مؤثرة أو تلك التي تنتمي إلى مجموعة أصدقاء الصحراء المغربية”.
وأشار العجلاوي، في تصريح لـ هسبريس، إلى أن “الأمر غير العادي، حسبه، هو أن دي ميستورا بدا تائها منذ تعيينه مبعوثا خاصا في ملف الصحراء، وقد ظهر أن الأمر أشبه بعدم انسجام بين ما يدعو إليه والوضع على أرض الواقع”؛ وهو ما تبين بالملموس، حسب المتحدث، من خلال “زياراته الأخيرة التي حملته صيفا إلى المغرب والجزائر ثم موريتانيا”، واصفا أنها “زيارات دالة على أن الرجل بدا كأنه في حالة يرثى لها”.
ولفت العجلاوي إلى أن تقرير الأمين العام، الصادر يوم 3 أكتوبر والمعروض على أنظار مجلس الأمن، “أفرد جزءا خاصا للحديث عن جهود المبعوث الأممي ودعمها”، مضيفا أن “هذه الزيارات التي جرت إلى دول أوروبية تأتي في سياق مواصلة واستمرار اتصالات ومشاورات سابقة كان دي ميستورا قد دشنها منذ تعيينه من طرف غوتيريش”.
وذهب المحلل، في معرض حديثه، إلى أن “دي ميستورا يبحث عن طلب دعم لمهمته من طرف دول لها تأثير مباشر في ملف الصحراء”، كما أنه يسعى جاهدا إلى تأكيد “وضعية اعتبارية خاصة” تجعله في موقع قوي وذي مصداقية للدفع قدُما بجميع أطراف النزاع، بما فيها الجزائر، إلى مسار العملية السياسية المتعثرة”.
وخلص العجلاوي إلى أن “زيارة المبعوث الأممي إلى روسيا، جاءت بالأساس لأن موقفها من قرار مجلس الأمن بشأن الصحراء يخلق سنويا الجدل بامتناعها عن التصويت”، لافتا إلى “أنها ليست ضد إحياء العملية السياسية وحل عادل أمميا، بقدر ما تكون هي ضد منهجية إعداد القرارات وصياغتها”، قبل أن يختم بالقول إن روسيا تجمعها علاقات جيدة مع المغرب، كما أن الموقف المغربي من النزاع في أوكرانيا يظل مُتزنا.
إجماع على المسار الأممي
محمد سالم عبد الفتاح، رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان والمتابع للملف عن كثب، اعتبر أنه “لا شك في أن هذه الجولات ستعزز فرص إنجاح مسار الطاولات المستديرة التي تسعى الأمم المتحدة إلى جمع أطراف النزاع حولها، على الرغم من تنصل الجزائر من الالتزامات الملقاة على عاتقها باعتبارها طرفا رئيسيا ومباشرا في النزاع”، مشيرا أن ذلك ما أعاد الأمين العام الأممي التشديد عليه في تقريره الأخير.
وتابع عبد الفتاح، في حديث لهسبريس، أن “القوى الدولية تبدو مُجمِعة على دعم المقاربة الأممية المتسمة بالواقعية والعقلانية، المتمثلة في دعم الحل السلمي والتوافقي”، مضيفا أنها “تتقاطع مع المبادرة المغربية للحكم الذاتي، باعتبارها مبادرة الحل الوحيدة المطروحة على طاولة المفاوضات، في ظل غياب أي تعاطٍ جدي من طرف خصوم المغرب وأعداء وحدته الترابية”.
“ما يعزز هذا التوافق الدولي الداعم للحل الواقعي ولسيادة المغرب على صحرائه هو نهج المقاربة الملكية التي عبرت عنها عديد الخطابات الملكية، في التعاطي مع شركاء المغرب وحلفائه الاستراتيجيين وبقية القوى الدولية الراغبة في التأسيس لعلاقات طبيعية ومتينة مع الرباط”، سجل المتحدث ذاته، ثم أردف: “لم تترك تلك الخطابات الملكية أي مجال للمواقف الضبابية أو المترددة إزاء دعم سيادة المغرب على كافة ترابه الإقليمي”.
“واقع متغير ميدانيا”
ولفت الخبير في قضايا الصحراء إلى أن “نهج الدبلوماسية الرزينة التي عبرت عنها الرباط إزاء مختلف القضايا الدولية، من قبيل الأزمة الروسية الأوكرانية، ساهمت أيضا في تحقيق الدعم الدولي المتواتر للموقف المغربي، فحتى روسيا التي تعتبر أكبر موردي السلاح للجزائر، مؤكدا أنها صارت “تعترف ضمنيا بمغربية الصحراء من خلال اتفاق الصيد البحري الذي يجمعها مع المغرب، والذي يشمل سواحل الأقاليم الجنوبية”.
وخلص قائلا: “دي ميستورا ينطلق اليوم من واقع متغير على الأرض، يتميز بحالة حسم سياسي للنزاع، وبتغير موازين القوى لصالح المغرب، في ظل كسب الرباط لمعركة الاعتراف الدولي، وتكريسها لسيادتها على الأقاليم الجنوبية، ونتيجة فشل المشروع الانفصالي، بعد انكشاف دعايته الحربية التي كذبها تقرير الأمين العام الأممي الأخير”.
وأردف المتحدث ذاته متابعا أنه “مقابل تأكيد غوتيريس على المواقف المتزنة التي يبديها المغرب، سواء إزاء التعاون مع الأمم المتحدة واستعدادها للاستجابة لدعوة المشاركة في المفاوضات، فإن الأمين العام الأممي يؤشر على تعنت الجزائر، برفضها الاستجابة لدعوة مجلس الأمن في قراره الصادر أكتوبر 2021 رقم 2602 والذي نص على دعوة كافة الأطراف المشاركة إلى الطاولات المستديرة كما يقر غوتيريس أيضا بعرقلة البوليساريو لعمل عناصر البعثة الأممية ميدانيا”.
وختم تصريحه قائلا إن “المجتمع الدولي وقواه الموازنة يلحظون الطرف المعرقل للمساعي والوساطات، الذي يعزف على وتر التوتر والتصعيد ويعرض بلدان المنطقة للمخاطر الأمنية بسبب الدعاية الانفصالية الراديكالية التي تتقاطع مع الجماعات المسلحة وعصابات الجريمة المنظمة في منطقة الساحل والصحراء”.
The post هذه فرص نجاح الجولة الأوروبية للمبعوث الأممي في قضية الصحراء المغربية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/ybaoZit
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire