عندما يتطاول الفقيه على عِلم الله

من غرائب شيخي التي لا تنتهي أنه يحذِّر الناس من القول على الله بغير علم، ويدعو إلى تعظيم حرمات الإسلام، ويُنْحي باللائمة على شيوخ يزكون أنفسهم ولا يتورعون من التصدي للإفتاء، وفي نفس الوقت ينسب إلى الله ما لم يقله مُعرِّضا الوحي للاستهزاء، ويستعمل عبارات تُوهِم أنه نال محبة الله في أرضه وملكوته، ويَزُجّ بالدين زجا في كل خلافاته، إذ يتوسل بالقرآن في غير موضعه ويوزع على الناس رضى الله وسخطه. وأعرضُ هـٰهنا أمثلة من أقوال شيخي الجليل الذي يهتم بتأصيل الدليل ويخْطِئ التنزيل؛ ولعل هذه الاستشهادات خير مثال على واقع الحال، فبالمثال يتضح المقال.

أولاً: يقصد الشيخ إسباغ صفة الربانية على أقواله وأفعاله لإنجاح مسعاه في ما يراه أسْلَمَة المجتمع.

عندما يرُدُّ على منتقدي مذهبه يقحم آية من القرآن أو جزء منها ليُستفاد من السياق أنَّ مؤيدًا بالله يواجه قوما ظالمين، بينما هو لا يستقوي بكلام الله تعالى إلا ليغطي على ضعف حججه. فانظروا كيف يتحايل بتسخير آيات قرآنية في أقوال يتطابق فيها المفهوم مع المنطوق قسْرا بالتَقوُّل على الله تعالى!

ما زالوا يقفون في وجه دعوتنا بتشجيع التصوف، ولكن تبقى كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا.

هل بلَغ بهم الأمر أن يطبِّعوا مع العدُو؟! يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.

لن يفلحوا في ثني المسلمات عن ارتداء النقاب، إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً.

يقولون إن الإسلام يقْبل الديمقراطية، كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا.

نحارب آراءهم خطوة خطوة إلى أن يحين وقت القضاء عليهم، وصدق الله إذ يقول: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ)1.

حينما يُبيحون الغِناء والموسيقا يفترون على الشرع، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا.

لقد تمادَوا في التشبه بالكفار كأنهم أمِنوا مكر الله، فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلَّا القومُ الخاسِرون.

وعندما يقدِّم طرحَه في مسألة تناولها فقهاء آخرون -يراهم غير جديرين بحمل الأمانة- لا يَجدُ بُدّا من استعمال عبارات تفضح رغبتَه في اختطاف الخطاب الديني وتُوحي أن الإسلام مختزَلٌ في مذهبه، وأن جماعته هي من تمثل المسلمين. والحقيقة أنَّ نصْب الفقيه العداءَ لمخالِفِيه ليس لِأخطاء ارتكبوها وإنما هو الخوف مِن فقد الوصاية وتضاؤل المكانة؛ لقد اتخذ من وصايته المزعومة على الدين سبيلا للدفاع عنه بلسان من يدعي العصمة. هذا ما يتبين من خلال تشدُّقِه بالعبارات التالية، ففيها من الرغبة في احتكار الدين ما لا يخفى:

لتبيان الوجه الشرعي في هذه النازلة نقول …

لِنضَعْ هذه المسألة في ميزان الإسلام!

أتيْتُكم بالقول الفصل والجواب الشافي في هذا الأمر.

يجب أن نَنْهاهم عنها غضبا لله وغيرة على دينه وانتصارا لشرعه.

أتريد مِنَّا أن نصمُتَ ونترك الدين عُرضةً للهجوم؟!

ثانياً: يزكي الشيخ نفسه ويحصل على التزكية من مُريديه.

دأب هذا الشيخ على مدح نفسه، وإن امتنع يوما يمدح المذهب الذي يعلن الانتماء إليه أو يطعن في منهج غيره من الفقهاء. ويزكي الفقيه أتباعه بمناداتهم “يا أحباب الله”، وكلما صدقوا أن الله يحبهم زادوا ثناء وتزكية لفضيلته وإرضاء لتحيزه المذهبي بمشاركته الافْتِئات على رب العالمين. وتعالوا نكتشف هذه العلاقة “الربانية” التي تربط فضيلة الشيخ بمريديه عبْر هذه الأمثلة الجارية على ألْسِنتهم المدَلِّسة بذكر الله!

نتقرب إلى الله بملازمة شيخنا الذي تتجلى فيه النفحات الإلهية والهبات الربانية.

لا نجاة لأولئك الضالين من عذاب الله إلا باتباع هذا الطريق، طريق الفرقة الناجية.

نُجِلُّ شيخنا وغيره من علماء تلك البقعة الطاهرة الذينَ أكرمَهُم المولى بالاعتقادِ الحق.

الحمد لله الذي مكَّننا من نشر هذه الدعوة ومحاربة القبورية.

هذه الدروس المباركة هي آخر ما فتح به اﻟﺒﺎري سبحانه على شيخنا الجليل، ولا نزكي على الله أحدا.

مِن مناقب إمامنا أن اصطفاه الله لنصرة دينه وإعلاء كلمته.

ثالثا: يغْترُّ الشيخ وأتباعه بمُداوَمَتهم على الطاعات وشعورهم بالامتلاء الروحي

والعجب كل العجب أن يصل بهم الغرور لدرجة أنهم يأمَنون عذاب الله، بل إنهم يشيرون إلى أنهم ماضون في طريقهم إلى الفردوس الأعلى، يدخلونه من غير حساب ولا عذاب؛ هذا ما نلمسه من استشهاداتهم بآيات قرآنية. ولَمّا كانت استشهاداتهم في غير محلها فقد مضوا يلفِّقون التطابق بين الآية والسياق في انتهاك واضح لقداسة القرآن. وأسوق إليكم هذه المغالطات المكشوفة التي يتجرؤون فيها على كتاب الله باعتبارهم المقصودين بآية من آيات القرآن:

زَهِدَ إمامنا في هذه الدنيا، فكان ممَّنْ صحَّ فيهم قول الله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)2.

إنهم رجال نذَروا أنفسهم لمحاربة الفِرَق الضالة، فسلكوا بذلك طريق الذين قال فيهم البارئ عز وجل (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)3.

شيوخنا الأفاضل (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)، فاجتمعت فيه صفات الذين قال الله فيهم (أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)4. ‏

ولَيْتَ الفقيه وأتباعه، إذْ أنزلوا كلام الله في غير موضعه، وقفوا عند حد إحساسهم بالأمن من عذاب الله؛ لكنهم يحكمون على مُخالِفيهم بالهلاك وسوء العاقبة، وكأن بِيَدِهم مفاتيح خزائن رحمة الله، يصْرفونها عمن يشاؤون. وأستعرض بعض ما يقوله كبير الدعاة هذا بأسلوب فظ غليظ في تعبيره عن القطع بمصائر العباد في الآخرة وتحديد من هم أصحاب النار، فتأملوا افتراءات الفقيه الذي يطَّلع على ما تخفي النفوس!

لا ينبغي الترحم على تلك الضالّة، فمثواها جهنم وبئس المصير.

إن الله عاقب ذلك اللاعب لأنه أفطر في رمضان، لقد نزل فيه حكم الله من فوق سبع سماوات.

ولا شك أن المؤلف قد تعرض لغضب الله تعالى لأنه أنكرَ عذاب القبر.

أيُّ مسلمين هؤلاء، وهم يغلقون المساجد ويغضبون الله ورسوله؟!

ألا تخافون أن يسألكم الله يوم القيامة عن سكوتكم عن الجهر بالحق في وجه هؤلاء الضالين؟!

لا تلتفتوا إلى المبتدعين، إلى من أعمى الله بصيرتهم وأخزاهم في الدنيا والآخرة.

ماذا جَنيْتم من الاحتفال برأس السنة سوى لعنة الله؟!

رابعا: يعتبر الفقيه نفسَه خليفة الله في أرضه، يُصْدر أحكاما بقبول أو رفض شعائر العباد ووجوب تنفيذ ما يعتقده شرع الله.

يخاطب الناس انطلاقا من فوقية معرفية وإيمانية بزعمه ممثِّلا لإرادة الله. فتعالوا نسلط الضوء على بعض مما يقول بهذا الصدد مع تعليق وجيز بين قوسين لبيان هذا المسلك المعِيب:

إن صلاتك غير مقبولة.

(الصلاة صِلةٌ بين العبد وخالقه، فمن أطلعه على الغيب؟!)

يجب أن ينفَّذ حكْمُ الله في هذا المارق حتى يذوق وبال أمره.

(من خوّل لهذا الفقيه احتكار فهم الدين والعمل به لمحاسبة شخص بعقابه على آرائه واعتقاده؟ والأدهى نسبة ذلك إلى الله تعالى!)

صيام الفتاة غير المحجبة لا يُحتسب.

(أليست الأعمال بالنيات؟! ربما أُوتِيَ الشيخُ قراءةَ النوايا فرأى في هذا الصيام رياء!)

الخطيب الذي لم تكن خطبتُه يوم أمس الجمعة عن نصرة رسول الله فليراجع إسلامه فإنه على خطر عظيم!

(أيُشترط في إسلام المرء أن تنطبق نظرته إلى العالَم مع نظرة فضيلة الشيخ في الزمان والمكان والوسيلة ؟!)

أنكِروا عليهم الاحتفال بعيد المولد النبوي، واحتسِبوا الأجر على الله!

(لستُ هنا بصدد تقييم الحُكْم الضِّمني الذي أصدره الواعظ على الاحتفال بعيد المولد، فهذا موضوعُ حراكٍ فقهي عقيم ودوري يتجدد كل سَنة إلى أجل غير مسمى! ولكنا أمام حالة لرفض الاختلاف في الرأي مع التلويح بالثواب والعقاب، فهذه مُواربة واستخفاف بعقول الأتباع لدفعهم إلى التسليم المطلق بآراء الشيخ).

خامسا: يردد سماحة الشيخ عبارتين هَالَنِي فيهما التَّأَلّي على الله، مشهورتين على ألْسِنة الكثير من الفقهاء.

ليس غريبا أن يحرص شيخي على تحرِّي الاقتداء بالسلف متَّبِعا ما وجد عليه شيوخه؛ لكن الآن، وهو أمام عبارتين فيهما تقَوُّل على الله عز وجل، ألا يحق له أن يجرِّب استعمال عقله مرة والخروج عن الجماعة يوما في تمرد فريد على عقلية القطيع؟!

الفتوى توقيع عن رب العالمين

إن الذي يسمع هذه الدعوى يجد نفسه مضطرا إلى طرح عدة أسئلة: أولا، هل فوض الله لأحد التوقيع باسمه؟ فالرسول محمد  رغم عصمته في الرسالة لم يكلَّف إلا بالبلاغ! ثانيا، عندما تتناقض الفتاوى، هل ننسبها كلها إلى الله أم نبحث عَمَّن زَوّر التوقيع ضِمن المفْتِين الموقعين بالوكالة؟! إنه لَمَعتوهٌ من يصدق هذه الترَّهات! ثالثا، هل قبول الفتوى يَرجِع إلى أَدِلتها أم إلى اتكائها على مصدرها “الإلهي”؟ وهنا تكمن المغالطة!

إن في هذا التصريح سوء أدب مع الله، خاصة في عصرنا الحالي حيث تتيح التقنيات الحديثة للمشايخ أن يتبرعوا بفتاوى تتدفق بسيولة فائقة إلى كل بقاع العالم، وما هذه الفتاوى التي يعتبرونها تجسيدا لإرادة الله إلا اجتهادات بشرية يشوبها النقص ويطبعها الاختلاف، ورغم ذلك يختمونها بتوقيع واحد يقولون إنه من عند الله. ومن جرأة افترائهم وتقوُّلهم على الله أن جعلوا في الإسلام كهنوتا من رجال الدين كحلقة وصل بين الله والناس؛ وقد عمَّ هذا الكهنوت وطمَّ باعتماد أقوال السلف مثل «العالِم بين الله تعالى وخلْقه،‏ فلينظر كيف يدخل بينهم»5 لابن المنكدر، و”المفتي هو المبلغ عن اللَّـه تعالى، والواسطة بين اللَّـه وخلقه في بيان الحلال والحرام لمن استفتاه”6 لابن القيم، وهو “المترجم عن الله في الإخبار عن الحكم الشرعي”7 للقرافي.

أسباب نزول آية

بتصفح كتب تفسير القرآن التي ترك السلف نجد أنفسنا أحيانا أمام آية واحدة وثلاثة أسباب نزول!

وحسب هذه الكتب، الآيات التي وردت بشأنها “أسباب نزول” قليلة، وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال: هل باقي الآيات القرآنية نزلت بدون سبب؟! طبعا لا، فالقرآن كله هداية، ولا مبرر لصناعة أسباب نزول لآيات القرآن! وبالمقابل، في صفحات هذه الكتب هناك آيات لكل واحدة منها أسباب نزول متضاربة.
والقول إن الله أنزل آية من الآيات بسبب حدث محدد بالضبط يُعَدُّ رجما بالغيب ما لم يُبَيِّنه الوحي، فكيف يأتي أحدُهم جازما بسبب نزول آية، وثانٍ يحدد سببا آخر لنزولها، وثالثٌ يربطها بحدث مخالف لما سبق؟! ألا يرى أولئك الذين جمعوا في أذهانهم ثلاثة أسباب نزول لآية واحدة أنهم أمام حالتين على الأقل من الكذب على الله؟! وهذا يدل دلالة لا لبس فيها على أن استِمراء الاختلاف في سبب النزول غير معقول، وإن تعددت الوقائع المتزامنة مع نزول الآية. والاعتقاد بارتباط آية بحدث، سببا أو مناسبة أو سياقا، غير ملزم للمسلمين ما لم يبلغهم أن الله أطلع رسوله عليه.
__________________________________________________

1 سورة الأنبياء، الآية 18

2 سورة القصص، الآية 83

3 سورة يونس، الآية 62

4 سورة المؤمنون، الآيتان 10 و 11

5 آداب الفتوى والمفتي والمستفتي، محيي الدين يحيى بن شرف النووي أبو زكريا، دار الفكر، دمشق، 1988.

6 إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت، 2012.

7 الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي، دار البشائر الإسلامية، بيروت، 1995.

The post عندما يتطاول الفقيه على عِلم الله appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/OJ4Lk9u

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire