يعتبر علم الفلك من العلوم الناشئة في المغرب، حيث بدأ الاهتمام به في السنوات الأخيرة من طرف الطلبة الشغوفين لاكتشاف الكون الذي نعيشه فيه والمساهمة في الإجابة عن السؤال الكبير: هل توجد حياة أخرى خارج الأرض؟
للحديث عن واقع علم الفلك في المغرب والعالم العربي، التقينا زهير بنخلدون، أستاذ علم الفلك بجامعة القاضي عياض بمراكش ومدير المرصد الفلكي في أوكايمدن، على هامش مشاركته في أسبوع العلوم بجامعة محمد السادس متعددة التقنيات بمدينة بنجرير، وكان لنا معه هذا الحوار.
يحمل بنخلدون محفظة علمية ثقيلة بدأت بباكالوريا في العلوم الرياضية من ثانوية مولاي يوسف بالرباط سنة 1978 إلى جامعة نيس صوفيا في فرنسا، ثم انتقل بعدها إلى جامعة مرسيليا ليحصد هناك دكتوراه في علم الطاقة، ثم دكتوراه الدولة في العلوم الفيزيائية من جامعة القاضي عياض بشراكة مع جامعة نيس صوفيا سنة 1994.
يدير بنخلدون اليوم المرصد الفلكي أوكايمدن الذي ساهم في اكتشاف عدد من الكواكب، ورئيس اللجنة الوطنية لعلم الفلك. كما أنه من المؤسسين للجمعية العربية لعلم الفلك ورئيسها، كما له من المقالات والدراسات العلمية؛ وهو ما يجعله من الأسماء العلمية المرموقة في المغرب.
إليكم نص الحوار:
كيف هو واقع علم الفلك في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟
يمكن الجزم أن علم الفلك في العالم العربي، كجميع العلوم، يوجد في بداياته، والإنتاج العلمي الخاص بعلم الفلك والمقدم لدى المؤسسات المصنفة مؤشر واضح على ذلك؛ لكن لاحظنا في السنوات الأخيرة تطورا إيجابيا في هذا المجال في بعض الدول، من بينها المغرب ومصر.
وفق دراسة أجريناها في هذا الصدد أخذا بعين الاعتبار الإنتاج العلمي ذي التأثير والدخل الفردي احتلت مصر المرتبة الأولى متبوعة بالمغرب ثم الجزائر والسعودية. وبينت الدراسة أيضا أن الإنتاج العلمي المتعلق بعلم الفلك في الدول العربية شهد في السنوات الماضية قفزة مهمة. وفيما يخص المغرب، وجدنا أن الأمر له علاقة بإنشاء تلسكوبات في المرصد الفلكي أوكايمدن التابع لجامعة القاضي عياض بمراكش.
يتبين من خلال هذه النتائج أن إنشاء تلسكوبات يساعد على الإنتاج العلمي، وفي تجربة مرصد أوكايمدن شهدنا اهتماما دوليا كبيرا به؛ وهو ما مكن من عقد شراكات دولية متعددة.
ما الذي يتم دراسته بالضبط في إطار علم الفلك؟
يهتم علم الفلك بدراسة كل ما يوجد في السماء، من خلال مراقبة من الكواكب والنجوم والمجرات. وتمكننا دراسة كل هذه المكونات من استنتاج معطيات حول مواضيع متعددة؛ منها مثلا تكوين المجموعة الشمسية والأرض ونشأة الكون وتطوره.
هناك اهتمام حديث بما يسمى بالكواكب الموجودة خارج المجموعة الشمسية بحيث تكمن أهميتها في الإجابة عن السؤال الكبير حول مدى وجود حياة أخرى في مكان آخر غير الكرة الأرضية.
عبر التاريخ، برزت أسماء علماء مسلمين وعرب في علم الفلك، هل جرى استثمار هذا السبق؟
كان هناك سبق في علم الفلك من طرف عدد من العلماء المسلمين والعرب في حقبة تاريخية قديمة؛ لكن تلتها انتكاسة علمية تسببت في انتقال الريادة العلمية إلى الغرب لأسباب مختلفة.
هناك بعض العلماء سطع نجمهم في علم الفلك؛ لكن أغلبهم يشتغل في الدول الغربية، نظرا لعدم وجود إمكانيات لتطوير بحثهم العلمي في بلدانهم الأصلية، وهذا هو ما يعيق تطور العلم بصفة عامة في الدول العربية. ولذلك، وجد الاهتمام بإنشاء مراصد لجلب الكفاءات وتشجيع التكوين لسد الفراغ الحاصل في هذا الصدد واستثمار ذكاء الإنسان كما يجب لتدارك التأخر؛ على غرار ما قامت به كوريا الجنوبية مثلا، التي أصبحت تحتل مراتب متقدمة في العلوم بصفة عامة وعلم الفلك بصفة خاصة.
ما هي أهم المراصد الفلكية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟
في السابق، كان المرصد الوحيد في المنطقة العربية يوجد في القطامية بمصر وهو موروث عن الحقبة الاستعمارية، إلى أن شهد المغرب تأسيس المرصد الفلكي أوكايمدن في السنوات الأخيرة.
مثل هذه المشاريع تحتاج انخراط الدولة، من خلال التحفيز والتشجيع وجعل علم الفلك رافعة من روافع التنمية. ولنا في تجربة جزر الكناري خير دليل، حيث استثمرت في المراصد حتى أصبحت هذه الأخيرة موردا ماليا مهما، إضافة إلى تجربة الشيلي المعروفة التي تتوفر على مرصد أوروبي مهم.
كم عدد الطلبة المغاربة الذين يدرسون تخصص علم الفلك؟
لدينا ماستر في علم الفلك منذ سنة 2000 في جامعة القاضي عياض بمراكش يستقبل سنويا حوالي 30 طالبا، وجزء مهم يستكملون الدراسة في سلك الدكتوراه في مختبر فيزياء الطاقات العليا والفيزياء الفلكية بكلية العلوم السملالية وعددهم حاليا يناهز 40 طالبا، وهذا عدد كبير جدا بالنسبة إلى المختبرات العلمية المغربية.
الإشكال يمكن في آفاق ما بعد التكوين، فإلى حد الساعة يتم استقطابهم فقط من طرف الجامعات المغربية كأساتذة، وهذا أمر جيد في ظل الخصاص المسجل في هذا التخصص؛ لكن الأمر المرغوب هو التحاقهم بالمراصد الفلكية لتطوير مسارهم العلمي أكثر فأكثر، وهذا مرتبط بالمناصب المالية المتاحة وهي قليلة.
ربما لأن هذا المجال يحتاج استثمارات مهمة طويلة الأمد..
في تجربة مرصد أوكايمدن كان الاستثمار قليل جدا؛ لكن الفكرة كانت مدعومة بإرادة الواقفين وراءها.. المؤكد أن علم الفلك يحتاج إلى آليات وتقنيات حديثة للرصد، وفي تجربتنا استغلانا الموقع الإستراتيجي لمرصد أوكايمدن؛ وهو ما أتاح توقيع شراكات دولية جلبت إمكانية مهمة، بالإضافة إلى تشجيع ودعم جامعة القاضي عياض.
ما أود أن أؤكد عليه هو أن الاستثمار في علم الفلك يحتاج إرادة من طرف أعلى مستوى من الدولة، خصوصا أن المملكة تتوفر على إمكانيات رصدية مهمة وموارد بشرية مكونة ومتخصصة، والمطلوب هو قرارات سياسية لتشجيع ودعم هذا المجال.
من خلال رصدكم للكون وما فيه.. ما الذي تغير في نظرتكم تجاه هذا الكوكب؟
حين نتعمق في البحث والرصد في علم الفلك يتبين لنا أن الأرض صغيرة جدا كنقطة وسط الكون الشاسع، وهذا يطرح في نظري نسبية وأهمية الإنسان كمخلوق داخل هذا الكون، ويقودنا أيضا إلى الشغف والاستمرار في البحث عما هو أعظم وما إذا كانت هناك حياة أخرى ممكنة.
هذا سؤال يُطرح باستمرار، هل يمكن الإجابة عنه؟
لقد عرف البحث عن حياة أخرى ممكنة تطورا كبيرا على المستوى العالمي؛ فالمجموعة الشمسية تم استكشافها وتأكدنا أن كواكبها لا توفر ظروف حياة من غير الأرض. السؤال المطروح حاليا هو إمكانية وجود حياة فوق كوكب آخر خارج المجموعة الشمسية، وللجواب قطعيا عن ذلك السؤال يجب أن نصور ما هو خارج هذه المجموعة، وهذا مستحيل بالإمكانيات المتوفرة. هناك طريقة أخرى لبحث الأغلفة الجوية لهذه الكواكب، لأن وجود حياة ينتج عنها جزيئات غازية تسمى بـ”الدلالات الحيوية” (biomarqueurs) وهي دليل على وجود حياة في كوكب ما، هناك طرق متطورة مثل التحليل الطيفي (spectroscopie) للتأكد من وجود هذه الدلالات وبالتالي الإجابة عن سؤال وجود حياة أخرى، وهو ما ندرسه في جامعة القاضي عياض ولدينا طالبة دكتوراه تعد أطروحة في هذا الصدد ستتم مناقشتها في غضون شهرين.
The post بنخلدون: علم الفلك رافعة للتنمية .. وهكذا يمكن رصد حياة خارج الأرض appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/3nbYTix
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire