سعي مستمر لاستعادة “جوهر الإسلام” تعبر عنه الباحثة والكاتبة المغربية أسماء المرابط، التي وقعت مجموعة من العناوين حول حقوق المرأة في الإسلام ووضعها في عهد الإسلام المبكر، وصولا إلى الاجتهادات والتأويلات المرتبطة بقضايا النساء عبر العصور الإسلامية.
ارتبط اسم المرابط بالنسبة لعدد من القراء في السنوات القليلة الماضية، بنقاش واسع أثير بعد حديثها عن كون “إعطاء حصة متساوية للمرأة في الإرث في عمق مقاصد الإسلام، وليس ضده”. جدل تفصح عن أنها لم تكن تتطلع إليه، بل كان جزءا من سعي مسؤول إلى النقاش حول واقع الإسلام وفهمه في علاقة بتطورات المجتمع.
هذه الطبيبة التي قادتها محاولة فهم الإسلام وواقع التدين بالمغرب والمنطقة إلى البحث المنظم منذ ما يزيد من عشرين سنة، سبق أن شغلت منصب رئيسة مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام بالرابطة المحمدية للعلماء، ولها مؤلفات عديدة، تحضر في المكتبات بلغات من بينها العربية والفرنسية والإسبانية والإنجليزية.
ويرتبط اسم أسماء المرابط حاليا بمفهوم “النسوية الإسلامية”، الذي تدعو في الجزء الثاني من هذا الحوار إلى تجاوزه إلى حركة إنسانية أرحب بمقاربة أخلاقية، وتستحضر أن الإنسان المخاطب بالقرآن هو المرأة والرجل على حد سواء.
في هذا الشطر الأول من الحوار الذي أجرته معها جريدة هسبريس الإلكترونية، تتحدث أسماء المرابط عن أثر السقطة الانتخابية الأخيرة لحزب العدالة والتنمية في انتخابات 8 شتنبر 2021 على الوعي باستغلال الخطاب الديني في العمل السياسي، وتبدي رأيها في تدبير علاقة السلطة بـ”الإسلاميين” في العالم العربي، وتعلن دفاعها عن حداثة غير تابعة للسياق “الغربي”، وتكشف رؤيتها لمعيقات الاجتهاد داخل المؤسسات الدينية الرسمية بالمملكة.
هل تمثل نتائج الانتخابات الأخيرة “اندحارا” لمشروع الإسلاميين الحركيين؟
هذا ما نلاحظه، والنتائج تتكلم بنفسها، وكان من المنتظر ألا يفوزوا، ولكن هذه الانتكاسة كلها لم تكن منتظرة بهذه الدرجة، وأستغرب منها، ولو أنه داخل صفوف حزب العدالة والتنمية لم يكن هناك توقع بالتصدر، لكن لم يكن متوقعا أن يصل الأمر إلى هذه الدرجة.
هل هذا “الفشل” مرتبط بتضخم السعي للتدافع السياسي كما سبق أن ذكرت قراءة للأستاذ الراحل فريد الأنصاري؟
هذا جزء من السبب. فعندما نرى انتقادات الناس الملموسة من تراجع لمستوى المعيشة، وعدم تحقيق الوعود، ورؤية أن الحزب وكأنه انسلخ عن إرادة الشعب الذي كان يتعاطف معه، وكأنهم صاروا نخبة بعدما كانوا ينتقدون النخبوية السياسية.
أقول إن المشروع فشل بأكمله، بما في ذلك السياسي. ولا يجب أن ننسى أن للشعب المغربي حساسية، أسميها هشاشة، علما أن الدين من المفروض أن يكون منبع قوة لا هشاشة، وهذه الهشاشة أعطتها العدالة والتنمية وعودا بخطابٍ ديني، ومبادئ دينية؛ فكانت الصدمة صدمتين، من الخطاب السياسي المتضخم، ومن الخطاب الديني الذي استعمل للوصول إلى السلطة.
لا أستغرب هذا الأمر، فمشكلتنا في العالم الإسلامي أنه ليست لنا قراءة تاريخية، وهذا تاريخ يعيد نفسه، ومنذ موت النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نسقط في مسألة استعمال الدين في السياسة، والخلافات المرتبطة بهذا، ومع تعامل الفقهاء مع السلطة، زادت هذه الإشكالية في الكِبَر.
لكن، يظهر لي الآن أن هناك نوعا من الوعي بعقم هذا الخطاب، بعدما اصطدم بالواقع دون تقديم بديل أو جواب لهذا الواقع الذي يعيشه الناس، خاصة الشباب منهم. أظن أن الشباب وعى، ورغم أحاديث العزوف، فقد شارك في الانتخابات من أجل معاقبة حزب العدالة والتنمية بسبب صدمته فيه بعد ثقةٍ.
هل أثرت هذه التجربة في تدين مجموعة من المغاربة بعد الآمال التي علقت عليها من طرف فئات من المجتمع في حمل “بديل إسلامي” و”الإصلاح من الداخل”؟
لا أظن ذلك، لأن التدين في المغرب مسألة تاريخية، والمغاربة متدينون وتقليديون، ولهم إسلام مغربي بقي رغم كل التيارات التي مرت وهبّت عليه، وبقيت الأصالة المغربية، وأحمد الله عليها، لأنني أتصور أنها هي التي تحفظ المغرب. لكن، أظن أنه سينتج عن هذه التجربة وعي مرتبط باستعمال الخطاب الديني واستعمال الشعارات الدينية الفارغة مثل “الإسلام هو الحل”.
هذا سيدفع بحاملي هذا الخطاب إلى مراجعة مقارباتهم، والمقاربة التي تزعجني أكثر هي أنه رغم استعمال الخطاب الديني في السياسة، عندما ننظر لفهمهم للدين نفسه لا نجد مقاربة نوعية، أي مقاربة توعي الناس بجوهره، بل نجد أن الارتكاز كان على الشعارات، وعلى المظاهر، وعلى الشعائر، وعلى العبادات ولو أنها مهمة، مع تقليص مفهوم جوهر الوحي، كما قال الكواكبي في “مفهوم الطاعة العمياء”؛ مما يجعل إسلام المؤمن والمؤمنة إسلام عبادات شعائرية مجردة يجب القيام بها فقط، دون محاسبة على الأخلاق والمعاملات التي هي أيضا بالنسبة لي عبادات لا يستقيم الدين بدونها.
أثر استعمال السياسة للإسلام، هو ما نراه من أن معيار قول إن هذا الرجل أو هذه المرأة شخصان جيدان، هو صلاة الفجر، أو اللحية، أو الحجاب، دون النظر إلى أخلاقيّاتهما، وصدقهما، ونزاهتهما، وعملهما الصالح، وكل المفاهيم الكونية للإسلام.
التدين يوجد في المغرب، وهو نوعا ما عليل، وعلينا الاعتراف بهذا، بسبب عقود من الإسلام السياسي وارتكاز التربية على المظاهر والعبادات والحلال والحرام والجانب التشريعي والحدودي، مع ترك الأخلاقيات، فلا نرى الحديث عن العدل والنزاهة والرحمة وحب الآخر، ولا نجد هذه القيم في حديثنا عن الله تعالى، بمعنى أننا بقينا في مقام الخوف والترهيب، ولم نصل إلى مقام المحبة والرحمة والتيسير الأساسيين في هذا الدين.
التدين لم يمس، لأن المغاربة متدينون، لكنهم سيراجعون الكثير من الأمور، ولن يمكن لأحد آخر أن يستعمل الخطاب الديني لتطويع الناس أو لاستعبادهم، وآمل أن يدفعهم هذا إلى مراجعة تدينهم، والعودة إلى الاهتمام بجوهره لأنه بدونه سيبقى مجرد تدين سطحي.
من بين القراءات التي رافقت هذا “الاندحار” الانتخابي لحزب العدالة والتنمية، قراءات رأت فيه “انتصارا للتحديث وتعبيرا عن سعي المغاربة للحداثة”. ما رأيك في هذا التحليل؟
لا أتفق مع هذه المعادلة، ولدينا إشكالية حتى في مقاربة الحداثة، ويوجد في شخصية المغربي والمغربية انفصام في هذه المسألة بغض النظر عن السياسة والتوجه السياسي، فحتى الأحزاب الأخرى منها من لا يقبل الحداثة، ومنها من له غلو في مقاربتها، لا أتقبله مثلما لا أقبل التطرف الديني الرافض للحداثة.
الحداثة حداثات، وهي مشروع كوني، ويجب ألا ننظر لنموذج حداثة الغرب الأوروبي فقط، فهناك حداثات في أمريكا اللاتينية وآسيا… وحتى في الغرب حداثة روسيا ليست هي حداثة فرنسا. لكن، لدينا حساسية تجاه الموضوع، فإما نجد تيارا يريد الانسلاخ كليا ويرى الحداثة الفرنسية أو الحداثة الفرنكفونية هي الحداثة، أو نرى من يرفض الحداثة جملة، لأنه يعتبر ما يراه من غلو في النظر إلى الحداثة هو الحداثة.
يجب أن نفكك مفهوم الحداثة، ونعي أن هناك حداثات، ولنا الحق في خلق حداثتنا وعيشها دون أن نعيش انفصاما. والإسلام مرجعيتنا التي لا تتناقض نهائيا مع نوع الحداثة التي فيها الحرية وكرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية، التي هي كلها مفاهيم كونية نابعة من جوهر الإسلام ومشتركنا الإنساني، ولا يجب أن نذهب فقط إلى المسائل التي تزعج ونقول إنها هي الحداثة.
لا أظن أن هذا الحدث السياسي رغبة من المغاربة في الحداثة، هذه قراءة أراها شيئا ما اختزالية، فهذه رغبة فئة في المغرب، صراحة لا تعرف ما الواقع المغربي. فهناك أناس لم تدخلهم الحداثة لأنهم لم يدرسوا، ولا يعرفونها لا فلسفيا ولا تاريخيا، والبعض بالنسبة لهم الحداثة هي التقنية والاستهلاك، لكنهم تقليديون وتقليدانيون في أمور أخرى. إشكال المغاربة مركب، ولا يمكن أن نقول إن فشل العدالة والتنمية رغبة من المغاربة في الحداثة، ولو أن لهم رغبة في الحداثة هي رغبة في الرفاهية والعيش الكريم…
أي رغبة في مظاهر الحداثة؟
أجل.
قلت إن من أهم نتائج سقوط هذا المشروع بناء وعي نقدي تجاه استغلال الخطاب الديني…
إذا خرجنا بهذه المعادلة فقط، فقد ربحنا، فهذه طريق يظهر لي أنها قد فتحت لنا.
ألا ترين أن الطرق التي تم بها تدبير العلاقة مع مجموعة من الجماعات الإسلامية، خاصة الحركية التي تؤمن بالتدافع من داخل المؤسسات، وطردها بصيغ غير ديمقراطية في العالم العربي خاصة، يمنع وصول هذه المشاريع إلى منتهاها وتحقيق هذا الوعي، الذي تتطلعين إليه، باستغلال الخطاب الديني للتغطية على غياب البديل السياسي؟
المقاربات غير الديمقراطية للعلاقة بالإسلاميين فاشلة، بل أدت إلى تدهور البلاد، وإلى حروب، وإلى دكتاتوريات. في مقابل هذا، نجد أن خصوصية المغرب موجودة، ولو انتقدها البعض، لأنه سواء أردنا أم لم نرد، لنا نظام ملكي استطاع أن يجمع بين إمارة المؤمنين كمشترك جامع يحفظ الدين من هذه التيارات، ويتركها في الوقت نفسه تتكلم وتعبر عن آرائها، وهي مقاربة ناجحة إلى حد الآن.
نجحنا شيئا ما في تأطير هذه التيارات، وأنجحنا هذا المسار الديمقراطي ولو ليس بنسبة مائة في المائة، فليس هناك مسار ديمقراطي ناجح تماما في العالم.
أرى المغرب ناجحا شيئا ما، رغم وجود بعض التناقضات والتجاوزات في حقوق الإنسان. مقاربة المغرب كانت بعيدة كل البعد عن المقاربات الأخرى التي كانت غير ديمقراطية، والمغرب نجح في السيطرة على هذه التيارات وتأطيرها.
هل يسمح شكل تدبير الشأن الديني باستفراد من إمارة المؤمنين وبوجود ثوابت سياسية ودينية وثقافية أيضا، باجتهاد حقيقي في سبيل المواطنات والمواطنين دون اعتبار حسابات أخرى؟
تتحدث عن الإسلام المؤسساتي، وهذا الإسلام عشته لعشر سنوات داخل المؤسسة الدينية. ويمكن أن أقول لك إنه كانت توجد مساحة لحرية التعبير وإمكانية للاجتهاد، لكن هناك خوفا داخل المواطن والمواطنة والعالم والعالمة المغربيين، وهو خوف خانق ولو أنه لا أحد يمنع من قول شيء من الأشياء.
طبعا توجد خطوط حمراء، لكن الخطوط الحمراء موجودة في جميع المؤسسات على المستوى العالمي. أرى أن هذا الخوف قادم من التربية الإسلامية التي تجعل المنخرطين في تلك المؤسسات ينكمشون على أنفسهم ويخافون، ويقولون لك بينهم وبينك إنهم مع التنوير، ومع الإصلاح، وأن هناك أمورا داخل مرجعيتنا تدعم هذا… لكن ليست لهم الشجاعة الفكرية والثقافية ليعبروا عن ذلك صراحة ويخرجوه للمجتمع.
نجد اليوم أن جميع النقاشات المجتمعية حول مسائل تهم الدين لا يكون منبعها المؤسسة الدينية بل المجتمع المدني، الذي لا يفتقر للمصداقية في هذا الباب، بل يريد حلولا، ولو أنه يقال هذه أمور دينية لا تمسوها، فمن يمسها إذن ومن يجيب هؤلاء الناس؟ يوجد غلو عند بعض الجمعيات المدنية، لكنها لم تجد مع من ستجلس ومن سيجيبها، بانغلاق كل هذه المؤسسات على نفسها.
ليس النظام هو الذي يمنعها من الحديث، صراحة، بل توجد مساحة، وحرية تعبير عشتها، وكنا نناقشها داخل المؤسسات الدينية مع علماء متنورين، خاصة الشباب منهم، لكن هناك خوفا شخصيا دون أن يخبرهم أحد بأن هذا ما يجب قوله وهذا ما لا يجب قوله، لم أرَ هذا، ولو أن هناك خطوطا حمراء كبرى لا يمكن تجاوزها.
أمير المؤمنين يحافظ على هذه المؤسسات، وهي التي يجب أن تجتهد، بما أن من فيها هم أصحاب العلم “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”، لكنهم لا ينتجون أي اجتهاد باستثناء القلة القليلة، ولنر من يتحدث اليوم باسم المؤسسة الدينية، لا يوجد، باستثناء قلة لا نسمع صوتها، وكأن المجتمع المغربي في جهة والمؤسسة الدينية في بحر آخر. وهذا لا يعقل.
في تاريخ الإسلام، معلوم أنه منذ بدء توظيف العلماء، بدأت السيطرة عليهم سياسيا، لكن هذا شأن سياسي له علاقة بالخليفة ورئيس الدولة والطاعة، لكن في النقاشات المجتمعية لا نرى حضور المؤسسة الدينية، علما أن هناك إرادة سياسية عليا للذهاب في طريق الحداثة بتوجهها السليم، والتحرر، وهو ما يحتاج تقديم اجتهادات، علما أنها موجودة، إلا أن هناك خوفا متركزا في تربيتنا على الإسلام بالطاعة والخنوع، وتقديس كل إنتاج الفكر الإسلامي، وما قاله الصحابة والعلماء والسلف من قبل، ولم يعد الدين والقرآن والسنة فقط هي المقدسات، وأي سؤال طرح نجد له جوابا من القرون الماضية، رغم أن تلك الأجوبة بشرية، لكن لا يمكننا التزحزح عنها.
لا يوجد ضغط سياسي إلى هذه الدرجة، ويمكن أن يكون، لأن هناك خطوطا حمراء، ولكن توجد مسافة للحديث والاجتهاد وتقديم البديل لهؤلاء الناس، وخاصة الشباب الضائعين والتائهين.
The post المرابط: فشل الإسلاميين ينمي الوعي .. والخوف يقيد اجتهاد المؤسسة الدينية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/3kFI1Q2
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire