جيرالد برونير: أوهام معرفية تدفع إلى رفض اللقاحات‎‎ المضادة لفيروس كورونا

تتواصل الآراء المشككة في جدوى اللقاحات ضد فيروس “كوفيد-19″، خصوصا في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تتضاءل الرقابة والصرامة مفسحة المجال لكل الآراء؛ حتى منها التي لا تستند إلى مرجع أو إلى علم.

تتناسل الشائعات والمخاوف كالنار في الهشيم، تغذيها المعتقدات التي ترى في الأمر مؤامرة كبرى تختلف أهدافها، في نظر المؤمنين بها، باختلاف مطلقيها ومصدّقيها.

في هذا الحوار الذي أجراه غيجي مييغان، وترجمه أحمد القصوار، يكشف عالم الاجتماع جيرالد برونير الكثير عن دعم عالم الإنترنيت للأفكار غير العقلانية ولتناسل الشائعات.

وهذا نص الحوار:

في رأيك، كيف يدعم الإنترنيت الاعتقاد في أفكار غير عقلانية؟

في رأيي، ساهم ظهور الإنترنيت في تحرير سوق الإعلام من الضوابط التنظيمية. سابقا، كان ولوج النقاش العمومي محدودا جدا ومتحيزا اجتماعيا. كانت الأخبار المبثوثة في الإذاعات والتلفزيون والمنشورة في الصحف تخضع لمراقبة وتصفية ممن تسميهم نظرية الاتصال بـ”حراس البوابة” (الصحافيون، المنتجون، إلخ). في تلك الفترة، كانت الأصوات المعارضة الأكثر راديكالية حبيسة فضاءات مغلقة.

بواسطة الإنترنيت، يمكن لأي كان أن يلج النقاش العمومي ويشارك فيه، وهذا ما ينتج عنه تضخم في المنافسة الإعلامية. حاولت في كتابي “ديمقراطية السذج” أن أبين كيف تشتغل وتؤثر هذه المنافسة، بحيث إن العرض الإعلامي يتطابق بأي ثمن مع الطلب، مؤديا بذلك إلى ما أسميته بـ”نزعة الديماغوجية المعرفية”.

 كيف تعرف هذه النزعة الديماغوجية المعرفية؟

تدغدغ النزعة الديماغوجية المعرفية الميولات الأكثر طبيعية في ذهننا. إنها تدفع الأفراد إلى قبول عدد من المعتقدات التي تنكرها الخبرة العلمية وتتعارض معها (التنجيم مثلا). هذه المعتقدات مبنية على انحرافات معرفية؛ أشكال من الأوهام العقلية التي يمكن أن تعرض أي واحد منا للخطأ. ولعل المثال النموذجي للانحراف المعرفي هو إدراكنا العفوي للمخاطر الذي يعرضنا للخطأ بشكل ممنهج في استدلالاتنا العادية اليومية. إن نزوعنا الطبيعي هو أن نضاعف احتمالات وقوع خطر ما إلى 10 أو 15. وهذا ما يفسر نجاح الفكرة واسعة الانتشار؛ وهي “مبدأ الاحتراز” الذي سيجبرنا إن تم احترامه من دون قيد أو شرط على توخي حذر قادر على إغلاق الباب في وجه أي ابتكار وتجديد.

لنأخذ حالة التلقيحات التي تكتسي أهمية لا جدال فيها في مجال الصحة العمومية. حتى وإن كانت آثارها الجانبية غير المرغوبة ضعيفة، لا يمكننا أن نقول إنها منعدمة. ومن هنا، فإننا نتخيل الأسوأ بسهولة. لقد تفشت عدم ثقة مفرطة في فرنسا، لا سيما منذ أزمة اللقاح المضاد لأنفلونزا الخنازير.

وأظهرت نتائج تحقيق متعلق بالموضوع أن هذه الأنفلونزا بلغت 40 في المائة في 2010. وقد تم تعميم هذا القلق عبر وسائل الإعلام الكبرى التي تطبق هي أيضا من دون تمييز كبير نوعا من إيديولوجيا الاحتراز والحذر معتقدة أن الوقاية أفضل من العلاج. كانت النتيجة درامية. فقد لاحظنا في فرنسا وغيرها من البلدان أن هناك تراجعا في استفادة المواليد الجدد من التلقيح، وهذا ما سيؤدي إلى وفيات عديدة عند الأجيال اللاحقة، حيث سيجهلون انهم كانوا ضحية معتقدات آبائهم وأمهاتهم. يمكن أن يعزى رفض التلقيحات إلى 3 أوهام معرفية: 1-المبالغة في تقدير الخطر الإحصائي 2- التقدير المبالغ فيه للكلفات مقارنة مع المكاسب 3- نزوع طبيعي إلى الشعور بالمسؤولية عن مخلفات عملية معينة أكثر من الشعور بالمسؤولية عن التقاعس عن فعل أي شيء.

ألا تتعارض هذه الرؤية النقدية مع واقع أن الإنترنيت هو أيضا فضاء للحرية النقدية الحادة، حيث يمكن من إدانة بعض التجاوزات وإطلاق نواقيس الخطر؟

لا أنكر على الإطلاق الاستخدام الديمقراطي لهذه الأداة الاستثنائية (الإنترنيت) التي تتيح التعبير بسهولة أكبر، وفي بعض الحالات تسهل نشر المعارف وتشتغل كسلطة مضادة؛ لكنني لم أهتم إلا بالجانب المظلم للإنترنيت الذي يهم علاقات الأفراد مع المعرفة العلمية. سيكون من السذاجة الاعتقاد بأن ما نجده في الإنترنيت يمثل مجموع وجهات النظر الموجودة في مجتمعاتنا. يوجد عدم توازن كبير جدا ناتج عن كون المعلومات المنشورة على شبكة الإنترنيت لا تخضع لضوابط معينة؛ الأمر الذي يدعم ظهور أوهام معرفية ضعيفة يحوزها معتقدون يروجون بعنف لحقائقهم عند أغلبية من المتشككين أو غير المبالين. ذلك أن الجماعات الصغيرة الواثقة جدا من معتقداتها تنجح في فرض معتقداتها، لأن المتشككين لا مصلحة لهم في انتقادهم، حتى وإن كان بإمكانهم القيام بذلك. على سبيل المثال، يمكن ذكر حالة أصحاب نظرية المؤامرة الذين يصرحون باقتناع شديد جدا بأن اعتداءات 11 شتنبر 2001 التي استهدفت مركز التجارة العالمي في نيويورك كانت نتيجة مؤامرة محبوكة من وكالة الاستخبارات الأمريكية. يتطلب دحض هذا المعتقد تدخل فريق متعدد التخصصات من الباحثين الذين يشتغلون على أشياء أخرى.

من المحتمل أن تكون آثار هذه الأوهام المعرفية كبيرة جدا؛ لأنها تشجع وتدعم تفشي المعتقدات الأكثر جذرية. فمن خلال إعطاء الوهم بأن رأيا معينا هو الرأي المهيمن عند الأغلبية (وهذا ما تقوم به بعض الجماعات الراديكالية في المنتديات الافتراضية في شأن خبر منوع أو توتر جيوسياسي)، فإنه يمكن لأقلية أن تنجح في الإبراز القوي لشكل من الديماغوجية الأخلاقية، كما يحصل مثلا عند الدعوة إلى إقرار قانون العين بالعين. هذا ما يسمح به الإنترنيت: يمكن لمتصفح شبكة الإنترنيت أن يتشكل عنده انطباع خاطئ ومضلل من خلال الشعور بنوع من الكشف une sorte de révélation الذي لا يشكل إلا نوعا من التبعية السلبية التي يسهلها تأثير الأغلبية الوهمية.

ما الذي يجعل من هذا التأثير تهديدا للديمقراطية بصفة عامة؟

يرفع الإنترنيت من حدة ضغط المنافسة الذي كان موجودا سابقا بين وسائل الإعلام التقليدية (قبل ظهور الإنترنيت). والحال أنه ما شكل في البدء خاصية ديمقراطية، أصبح هنا غير موات للديمقراطية. هذا الضغط يكره وسائل الإعلام الأخرى على تناول موضوعات لم تكن تعالجها في السابق. ولعل المثال البارز لذلك هو إضفاء الطابع الشعبي على السياسة peopolisation . فحتى الثمانينيات من القرن المنصرم، كان الصحافيون يتبعون نوعا من المدونة الضمنية لأخلاقيات المهنة، مما جعلهم لا يكشفون عن سر وجود ابنة مخفية لفرانسوا ميتران، على الرغم من أنه كان معروفا لديهم. لكن، منذ اللحظة التي يخرق فيها فاعل واحد هذه القاعدة (في تلك الحقبة، كانت مجلة باري ماتش هي التي خرجت من هذه اللعبة)، فإن الفاعلين الآخرين كانوا مجبرين على ركوب الموجة حتى وإن لم يكونوا راغبين في ذلك. أصبحت هذه الظاهرة أكثر انتشارا مع مجيء المجلات المهتمة بالمشاهير “البيبل” والصعود القوي للتغريدات (في تويتر). وقد رصد علم النفس الاجتماعي هذه الظاهرة بشكل جيد. يتعلق الأمر بالمأزق المشهور الذي يقع فيه السجين، حيث يتم استنطاق سجينين بشكل منفصل ويقومان بخيانة شريكهما (في الجريمة)، لأنهما يجهلان ما سيقوم به الآخر. على الرغم من ذلك، فإنهما لم يكونا يتمنيان فعل ذلك. والمثال التالي يوضح ذلك: إبان المؤتمر الصحافي الذي عقده فرانسوا هولاند مباشرة بعد ظهور قضية جولي غايي، طرح صحافي في جريدة “لوفيغارو” سؤالا عن الحياة الشخصية لرئيس الجمهورية، وغرد عبر تويتر في اللحظة نفسها بـ”ألبير لندن، سامحني”.

هل تعتقد بأن تأثير المسلسلات والسلسلات يشكل عاملا آخر للزيادة في السذاجة؟. غالبا ما تشكل الشائعات ونظرية المؤامرة الخلفية المؤسسة للحبكة…

بشكل عام، تقدم التخييلات (السمعية البصرية) لحقبة معينة الأطر العقلية للتأويل السابقة عن كل تحليل للوقائع الملاحظة. إذا ما رأيت اليوم جسما طائرا في السماء، فإني سأعتقد غالبا بأنه صحن طائر مجهولun ovni . في القرون الوسطى، وأمام الظاهرة نفسها، كنت ربما سأعتقد بأنها مظهر من مظاهر الشيطان. لقد اشتغلت على وجه التحديد على هذه القضية من خلال دراسة “أثر عطيل”. عنيت بذلك الطريقة التي يمكن بها تعزيز مصداقية ملفوظ ما من خلال مصداقية السيناريو الذي يسبقه. ويعد فيلم “وداعا بلجيكا” حالة رمزية معبرة؛ ذلك أن الشريط الوثائقي المستند إلى وقائع متخيلة الذي بتثه التلفزة البلجيكية في 2006 ساهم من دون شك في إضفاء المصداقية على سيناريوهات خطيرة على الديمقراطية، ولا سيما سيناريو انفصال إقليم الفلاندر البلجيكي كما تتمنى ذلك أحزاب اليمين المتطرف.

بالطريقة نفسها، حللت الشريط الذي أنتجته “لوموند” المعنون بـ”محطة نهاية الأورو”، والذي ظهر سنة 2011 في شكل مسلسل يتخيل بكيفية ذكية جدا سيناريو ممكن لانهيار العملة الموحدة للاتحاد الأوروبي. والحال أنه، بعد هذا النشر، انتشرت شائعات وحصل رد فعل صغير في البورصة. تبين لنا هذه الأمثلة بأن التخييل يمكن أن يساهم في جعل بعض المعتقدات أكثر مصداقية.

The post جيرالد برونير: أوهام معرفية تدفع إلى رفض اللقاحات‎‎ المضادة لفيروس كورونا appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/2VrZYYC

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire