أصبح ضمان الأمن الغذائي ضرورة ملحة بعدما أثرت جائحة فيروس كورونا المستجد على اقتصاديات دول العالم السنة الماضية، وأصبحت جميع الدول تسابق الزمن لضمان توريد الحاجيات الأساسية من الخارج.
وإذا كان المغرب نجح في ضمان الأمن الغذائي في عدد من المواد مثل الخضر والفواكه والحليب واللحوم، فإن الاكتفاء الذاتي من الحبوب لم يتحقق بعد، بحيث يتم استيراد كمية كبيرة سنوياً لسد العجز في الإنتاج الوطني.
وقد بادرت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات إلى دعم تقنية الزرع المباشر، وساهمت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) في تعميمها على الفلاحين في مختلف مناطق المملكة، وهو ما أتى بنتائج جيدة تحمل آفاقاً واعدة.
حول هذا الموضوع تتحدث إلينا فتيحة الشرادي، نائبة الرئيس المسؤولة عن السوق المحلية بمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، في حوار مع هسبريس، حول حصيلة تعميم اعتماد تقنية الزرع المباشر على الفلاحين المغاربة، وذلك في إطار آلية “المثمر” التي أطلقتها المجموعة سنة 2018 لفائدة الفلاحين ذوي الاستغلاليات الصغيرة.
في أي سياق تم إطلاق برنامج “المثمر” الموجه إلى الفلاحين الصغار؟
أطلقت مجموعة OCP في شتنبر 2018 مبادرة “المثمر” التي توفر خدمات متعددة وعروضا متطورة ومشخصة لمواكبة الفلاحين، وخاصة الصغار منهم. وتسعى هذه المبادرة إلى تمكين الفلاح من تبني الممارسات الزراعية السليمة، وخاصة التسميد المعقلن الذي يلعب دورا هاما في الرفع من الإنتاجية مع الحفاظ على الموارد الطبيعية.
وتشمل مبادرة “المثمر” مجموعة من الحلول والمنتجات من الطراز العالي، وخدمات من أجل المواكبة الفلاحية (تحاليل التربة، تكوينات، منصات تطبيقية، آليات متنقلة، تتبع وإرشاد…)؛ بالإضافة إلى حلول تكنولوجية سهلة الاستخدام، وأيضا برنامج لدعم القدرات لصالح الفلاحين، المرأة القروية، التعاونيات والشباب الرائد.
ويعمل طاقم “المثمر” على تمكين الفلاح من الوسائل الضرورية للمرور من فلاحة معاشية إلى نشاط استثماري مربح اقتصاديا ومستدام. كما تستند المبادرة إلى المنهج العلمي في إطار مقاربة تشاركية مع وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات ومختلف الفاعلين في المجال الفلاحي من أجل تطوير الحلول بشكل مشترك، وتقوم أيضا بتحفيز استمرارية حلقة الابتكار من أجل الاستجابة بكل مرونة للتحديات التي تواجهها الفلاحة وإيجاد حلول مبتكرة ومتاحة للجميع.
من ضمن مشاريع آلية “المثمر” نجد برنامج “الزرع المباشر”، ما حصيلة العمل في هذا الصدد خلال موسمين؟
تم إطلاق برنامج “الزرع المباشر” في إطار آلية “المثمر” خلال الموسم الفلاحي 2019.2021، حيث قامت مجموعة OCP باقتناء 35 بذّارة للزرع المباشر ووضعها رهن إشارة التنظيمات المهنية الفلاحية. كما استفادت هذه التنظيمات من دورات تكوينية في التدبير والمكننة وطرق ضبط البذارات وصيانتها لدعم قدراتهم وتمكينهم في إطار مقاربة تشاركية دامجة من المساهمة في تنزيل البرنامج، تحقيق أهدافه وضمان استمراره.
كما قام طاقم “المثمر” بشراكة مع المعهد الوطني للبحث الزراعي بتنظيم حملات تحسيسية ودورات تكوينية حول أهمية الزرع المباشر ونجاعته من الناحية البيئية والزراعية والاقتصادية، للحث على تبني هذا النظام.
ويهدف برنامج “الزرع المباشر” لمبادرة “المثمر” إلى دعم جهود وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات من أجل التسريع من وتيرة تبني نظام الزرع المباشر كدعامة أساسية للزراعة الحافظة، من أجل تشجيع التحول نحو نظم زراعية مستدامة ومرنة قادرة على مواجهة التغيرات المناخية.
اليوم، وبعد موسمين فلاحيين من انطلاق البرنامج، يمكن تلخيص الحصيلة الإجمالية كالتالي:
-وضع أزيد من 40 بذّارة للزرع المباشر رهن إشارة التنظيمات المهنية بشراكة مع المعهد الوطني للبحث الزراعي.
-مواكبة وتأطير أزيد من 45 تنظيماً مهنياً وكذلك الفلاحين المستفيدين.
-إنجاز ما يزيد عن 28500 هكتار على مستوى أزيد من 100 جماعة ترابية بـ23 إقليما.
-استفادة أزيد من 5000 فلاح من هذه البذارات ومن المواكبة والتأطير والتكوينات المقدمة من طرف مهندسي طاقم “المثمر” بمختلف الأقاليم.
-إنجاز أزيد من 1300 منصة تطبيقية مع التتبع والمواكبة المستمرة على مدار المسار التقني الزراعي للموسمين الفلاحيين.
-تخفيض المصاريف بمعدل 800 إلى 1300 درهم في الهكتار بفضل الاقتصاد في المصاريف المخصصة لعمليات الحرث وتحضير سرير الزرع من جهة، والنقص من كمية البذور المستعملة من جهة أخرى.
وفي ما يخص النتائج المحصلة على مستوى المنصات التطبيقية، تم تسجيل نتائج جد إيجابية خلال الموسمين، إذ قارب متوسط إنتاجية الحبوب 36 قنطارا في الهكتار كمعدل وطني للموسمين، بزيادة 6 قناطير في الهكتار مقارنة بمنصات “الشاهد” التي اعتمد فيها الفلاحون على الزرع العادي، أي بحرث التربة وإعداد سرير الزرع.
وتجدر الإشارة إلى أن برنامج الزرع المباشر مكن من خلق دينامية كبيرة على مستوى التنظيمات المهنية بدعم قدراتها التنظيمية وتشجيع الفلاحين الشباب على الانخراط فيها، وخلق تعاونيات متخصصة في الخدمات الفلاحية لخلق فرص الشغل والأنشطة المدرة للدخل بالعالم القروي، في انسجام مع أهداف مخطط “الجيل الأخضر”.
كيف يمكن تعميم تقنية الزرع المباشر في المغرب لرفع المحصول الوطني من الحبوب؟
في ظل التغيرات المناخية والمشاكل التي يعاني منها قطاع سلسلة الحبوب خاصة، كصغر المستغلات الفلاحية وتجزيئها، وضعف المكننة، وارتفاع ثمن المدخلات، وما ينتج عنه من ارتفاع التكلفة وقلة تنافسية الإنتاج (180 إلى 210 دراهم للقنطار مقارنة بأثمان الحبوب في السوق العالمية التي لا تتعدى 110 دراهم للقنطار)، أصبح من الضروري التحول نحو نظم إنتاج اقتصادية ومستدامة كفيلة بتقليص التكلفة وخلق قيمة مضافة للرفع من هامش الربح.
ويعتبر الزرع المباشر من بين هذه الأنظمة لما له من مزايا بيئية واقتصادية قادرة على الرفع من الإنتاجية والمساهمة في استقرارها، وبالتالي التقليص من التبعية واللجوء إلى الاستيراد. وقد مكنت المقاربة الدامجة لكل الفاعلين والمنهجية المتبعة في إطار مبادرة “المثمر” من تسريع وتيرة تبني هذا النظام، إذ أصبحت المساحات المزروعة بالزرع المباشر تتعدى 20000 هكتار سنويا، بعد أن ظلت لا تتجاوز 4000 هكتار خلال 30 سنة الأخيرة. هذه المقاربة أثبتت نجاعتها من خلال جيل جديد من الفلاحين بعقلية استثمارية تعي أهمية الطرق العلمية والتقنيات الحديثة لتحدي المعيقات.
ويبقى اتساع المجال الجغرافي للمناطق المستفيدة والإقبال المتزايد للفلاحين على تبني نظام الزرع المباشر والممارسات الزراعية السليمة، وعلى رأسها التسميد المعقلن المبني على تحاليل التربة واستعمال التركيبات الملائمة للسماد بمختلف المناط، خير دليل على تغير العقليات والاستعداد لمواجهة التحديات التي تفرضها الظروف المناخية واستجابة نظام الزرع المباشر لتطلعات الفلاحين بمختلف المناطق وتوفيره للحلول التي ينتظرونها.
وفي ما يخص آفاق تعميم تقنية الزرع المباشر فإن وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، في إطار البرنامج الوطني للزرع المباشر، ووعيا منها بنجاعة هذا النظام، وضعت خارطة طريق لتوسيع المساحات المزروعة إلى 1.5 ملايين هكتار كمرحلة أولى في حدود سنة 2030؛ علما أنه بتضافر الجهود يمكن توسيع المجال ليتجاوز 3 ملايين هكتار، ما سيساهم في الرفع من الإنتاجية على الأقل بمعدل 20 في المائة واستقرارها بالتقليص من الفروق المسجلة في السنوات الجافة، بحيث لا تنزل عن 70 مليون قنطار كحد أدنى عوض التباين الذي تعرفه حاليا، حيث ينخفض الإنتاج الوطني إلى حدود 30 مليون قنطار في السنوات العجاف. كما يفتح الزرع المباشر آفاقا للاستفادة من نتائج البحث الزراعي ببلادنا، خاصة في مجال تطوير أصناف مقاومة للجفاف.
ما هي الأهداف الموضوعة في هذا الصدد بالنسبة للموسم الفلاحي المقبل؟.
أود التذكير في هذا الصدد بأن برنامج الزرع المباشر لمبادرة آلية “المثمر” يعتمد على مقاربة علمية تفاعلية تراعي تطوير آليات الاشتغال بمراعاة حاجيات الفلاحين، فبالإضافة إلى مضاعفة الأهداف من حيث المساحة المستهدفة وعدد المستفيدين، انتقلنا من مقارنة المنصات التطبيقية للزرع المباشر مع نظيرتها للزرع العادي لإقناع الفلاح بنجاعة النظام في المرحلة الأولى إلى تطوير المنهجية المتبعة خلال المرحلة الثانية، وذلك باعتماد أربع تركيبات لسماد العمق، هي التركيبة الجهوية والتركيبة الإقليمية، ثم التركيبة المشخصة والتركيبة المشخصة المزودة بعنصر الكبريت.
وفي ما يخص المرحلة الثالثة من أهداف البرنامج:
-الرفع من عدد البذارات الموضوعة رهن إشارة التنظيمات المهنية.
-توسيع المساحة المستهدفة لتتجاوز 25000 هكتار مع توسيع التوزيع الجغرافي باستهداف أقاليم أخرى.
-الرفع من عدد الفلاحين المستفيدين وخاصة الصغار منهم ليتجاوز 5000 فلاح مستفيد، مع مواكبتهم بالتأطير والتكوين على مدار المسار التقني.
-الرفع من عدد المنصات التطبيقية للزرع المباشر.
-تنويع الزراعات باعتماد سلاسل إنتاج أخرى كالزراعات الزيتية، بالإضافة للحبوب والقطاني، لتحفيز الفلاحين على احترام الدورة الزراعية.
-تطوير منهجية الاشتغال والبرنامج المندمج المعتمد لتدبير الزراعة، مع التركيز على عقلنة تسميد العمق وتسميد التغطية الآزوتي، وكذلك تدبير معالجة الأعشاب الضارة.
The post الشرادي: تقنية الزرع المباشر تطمح إلى الرفع من إنتاج الحبوب بـ20 في المائة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/2TBqkq3
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire