"ربيع العلوم الاجتماعية" يراهن على بناء وتجذير ثقافة "الجماعة العلمية"

آمال في جعل العلوم الاجتماعية في قلب التخطيط للسياسات العمومية بالمغرب، واستثمار البحث العابر للتخصصات في “التفكير في المجتمع؛ شرطِنا الوجودي”، والاعتراف والحوار الجاد بين المشتغلين في الإنسانيات لخلق “جماعة علمية”، عبّر عنها أكاديميون في افتتاح الدورة الأولى من “ربيع العلوم الاجتماعية”، الذي يجمع متخصصين في العلوم الإنسانية من مختلف الجامعات المغربية.

واستقبل هذا الملتقى العلميَّ مركزُ الندوات والتكوينات بجامعة الأخوين بإفران، بتنظيم مشترك بين كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس- الرباط، وكلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية بجامعة الأخوين- إفران، ومجلس الجالية المغربية بالخارج.

هذا الملتقى العلمي، الذي افتُتح عشية الجمعة (9 أبريل الجاري)، ومن المرتقب أن يستمر تنظيمه يومي 10 و11 أبريل الجاري، يطمح إلى أن يتحول في الدورات القادمة إلى “ملتقى دولي يستضيف مغاربة العالم المشتغلين في ميدان العلوم الاجتماعية، لتبادل الخبرات والتجارب مع الأساتذة الباحثين، وطلبة سلك الدكتوراه في الجامعات المغربية.”

ووَفق بلاغ للجنة العلمية لربيع العلوم الاجتماعية، فإن هذه الدورة الأولى حضرها باحثون في العلوم الاجتماعية من مختلف المؤسسات الجامعية المغربية، إضافة إلى باحثين من حقول السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والتاريخ وعلم النفس والفلسفة والآداب واللغات.

وفي كلمة باسم “اللجنة العلمية” في افتتاح هذا الملتقى، قال عالم الاجتماع عبد الرحيم العطري إن التحديات التي يواجهها المغرب “لا تكمن حصرا فيما هو تقني صرف”، بل هي “مرتبطة بمعاني الأشياء وتمثلاتها الاجتماعية، وهو ما لم نشتغل عليه، ربما، بمقاربات التكامل المعرفي والعبر تَخصّصيّة”.

وذكر العطري أن هذا الملتقى العلمي ينتصر لـ”ثقافة الاعتراف والسؤال”، آملا “الإسهام في كتابة تاريخ مختلف من النقاش والحوار التعددي”.

كما يطمح “ربيع العلوم الاجتماعية”، وفق المتحدث ذاته، إلى الإسهامَ في “بناء وتجذير ثقافة الجماعة العلمية”، و”الترافع بشأن الحاجة إلى العلوم الاجتماعية”، والتنبيه إلى التحديات التي “توجب الانتقال بنقاشاتِنا المجتمعية والعلمية من الأداء الانتظاري إلى مستويات عليا من التفكير الإيجابي والحوار الجاد والرصين والمبادرة والاقتراح”.

وفي اللقاء الافتتاحي نفسه، قال إدريس أوعويشة، الوزير المنتدب المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي، إن اللقاء كان ثمرة لـ”مجهود تشاركي بين ثلاث مؤسسات عتيدة، تؤمن بأهمية التعاون والبحث العلمي في سبيل كسب الرهان ومواجهة التحديات”.

وذكر أوعويشة أن وزارته “تسير في اتجاه الدعم المتواتر للعلوم الاجتماعية والإنسانية، لتكون في خدمة كل مشروع معرفي ينتصر للشراكة والتعاون البنّاء”. كما تحدث عن عدم جدوى السياسات العمومية “دون تدخّل مستمر للباحثين في العلوم الاجتماعية على مستوى الاقتراح والإعداد والتنفيذ والتقييم”، لأنها معارف يمكن أن تكون حاضرة ومؤثرة في صناعة القرار في “كل مراحل التخطيط والاستهداف التنموي”.

بدوره، أكد عبد الله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، أن “لا سياسات ناجعة دون فهم للتطورات عبر دراسات ميدانية” لا يمكن أن تُجرى إلا عبر “العلوم الاجتماعية”.

وتحدث بوصوف عن مجلس الجالية بوصفه “مؤسسة وطنية تعنى بتقييم السياسات العمومية وتقديم آراء استشارية لبلورة سياسات عمومية تستجيب لحاجيات الجاليات المغربية بالعالم”، مضيفا أن هناك “ارتباطا وثيقا” بين العلوم الاجتماعية وبين الجالية المغربية، عبر “بلورة سياسات عمومية ناجعة مستقاة من التطورات المختلفة التي عرفتها وتعرفها الجالية خلال سنين طويلة”.

وحول عمل المجلس لتوفير “المعرفة العلمية”، استحضر بوصوف فترة إنشائه التي وجد فيها “ما لا يزيد عن خمسة كتب عن الجالية والهجرة بصفة عامة”، لتصل اليوم الكتابات في هذا المجال إلى “160 عنوانا حول مختلف اهتمامات الجالية، من الثقافة والدين والرياضة والكفاءات والمواطنة ومقاربة النوع والشباب والمشاركة السياسية”. وهي منشورات من المرتقب أن يوفرها مجلس الجالية المغربية بالخارج بصيغة رقمية عبر تطبيق خاص يُشتغَل على تصميمه حاليا.

من جهته، أبرز أمين بنسعيد، رئيس جامعة الأخوين، أهمية هذا الاجتماع في تدارس قضايا الاجتماع “التي لها قيمة ثمينة لتقديم تحليل علمي رصين، يسمح لمنتج السياسات بالتخطيط التنموي”، مضيفا أن “الأخوين” تعتبر أن هذه العلوم “لا يمكن أن تكون فاعلة بعيدا عن التدخل التنموي والفعل الإنساني، على المستويين الفردي والمجتمعي”.

فيما تطرقت كلمة رئيس جامعة محمد الخامس بالرباط، التي ألقاها بالنيابة نائب رئيس الجامعة محمد ظافر الكتاني، إلى أهمية العلوم الاجتماعية بوصفها “مكونا رئيسيا في حقل المعارف الإنسانية”، وما عرفته في الدرس الأكاديمي المغربي من “طفرات نوعية”، بفعل “الانفتاح على المدارس السوسيولوجية المعاصرة بحثا وتدريسا وتحليلا، ومقارنة وتنظيرا”.

وعَدّدت الكلمة ذاتها المقاربات المتعددة للمجتمع، في الدراسات الاجتماعية المغربية، من زوايا “التماسك والتغير، والاختلال والتوازن، ودراسة العادات والطقوس، واستجلاء مظاهر التقليد والتحديث، وآليات الترابط والتفكيك”. كما استحضرت سبقَ جامعة محمد الخامس، مغربيا، في “ممارسة البحث العلمي الأكاديمي في هذه العلوم، وتحقيقها تراكما كبيرا في ما أشرفت عليه من بحوث وأطاريح، وما نشرته من إنتاج علمي، وما نظمته من ندوات ومحاضرات ودورات تكوينية”.

ورأت كلمة رئيس جامعة محمد الخامس في “ربيع العلوم الاجتماعية”: “بادرة حميدة نريد من خلالها تبادل التجارب، ونتطلع إلى أن تصير في الدورات القادمة ملتقى دوليا، يواكبه مغاربة العالَم المهتمّون بالشأن السوسيولوجي لتقاسم المعارف”.

ووصف جمال الدين الهاني، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، هذا “المحفل العلمي” بـ”المتميّز”، مبرزا “الأهمية القصوى” لموضوع العلوم الاجتماعية الذي يُتباحث، في سبيل “حسم حال ومآل عدد كثير من القضايا التنموية”؛ لأن “العلوم الاجتماعية لا تهم المنتمين إليها فقط، بل تمتد، بتأثيراتِها وتداعياتها، إلى كل الديناميات المجتمعية والسياسات العمومية إن تم الاهتمام بها والاستثمار فيها”.

ووصف عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية الدورة الأولى من “ربيع العلوم الاجتماعية” بكونها “ورشا تفكيريا”، يروم “تجويد البحث العلمي، وتعزيز الشراكة والتعاون بين الباحثين ومؤسساتهم الجامعية”. كما وصفها بـ”المشروع العلمي الواعد”، الذي يتيح الإسهام “في تطوير مقارباتنا، وآفاق اشتغالنا؛ لنكون في مستوى التحديات التي تجابِهُنا في ظل التحولات المجتمعية”، التي لا تتيح فرصة لـ”استجماع الأنفاس”.

ولفت الهاني الانتباه إلى ما يتيحه هذا الملتقى العلمي من “اجتماع لتوسيع دوائر النقاش، وخلق فضاءات التبادل والتواصل، حول القضايا التي تحدد راهننا ومستقبَلنا”، معربا عن أمله في أن يتحول إلى “جامعة ربيعية دولية، تلتقي فيها كافة الحساسيات والتجارب المعرفية لأجل التلاقح والاستفادة”. قبل أن يستطرد قائلا: “وهو ما يمكن أن يصير حقيقة نستفيد من ثمارها ونعاينَها واقعيا بالجهود التشاركية، للنقاش في القضايا الراهنة والحساسة التي تهمنا جميعا”.

واستحضر عبد الكريم مرزوق، عميد كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية بجامعة الأخوين بإفران، “منتدى العلوم الاجتماعية” الذي نظمت دوراته منذ سنوات بجامعة الأخوين، وأهميته في رصد “تحولات المجتمع المغربي”، وتوفير “وسيلة تواصل بين الباحثين”، انطلاقا من قناعة مفادها أن “المعرفة تبنى بالتراكم والحوار والتناظر”، وكونها “سبيل النجاح في الانتقال إلى مجتمع المعرفة”، وهو ما لا يمكن إلا بـ”مزيد من المنتديات الفكرية والاستثمار في العلوم الاجتماعية”.

وسلط مرزوق الضوء على ما يتيحه “ربيع العلوم الاجتماعية” من “فرص للتّلاقي والحوار بين أجيال العلوم الاجتماعية بالمغرب”، وما يتضمنه من “رؤية متقدمة تستهدف الخروج بمشاريع أبحاث ودراسات وإجراءات مصاحبة وممارسات ضرورية لتقوية حضور العلوم الاجتماعية في المشاريع التنموية”.

وتوجه عميد كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية بجامعة الأخوين إلى المشتغلين بالعلوم الاجتماعية والإنسانيات قائلا: “لَمْ يعد يُسمح لنا بترك المقعد شاغرا، والقعود في وضع المتفرج”، بل “(علينا أن) نجعلها قوة اقتراحية يحتاجها الوطن في ظل التحولات الكبرى الراهنة، ولمرافقة التحولات الاجتماعية وتدبيرها بشكل أفضل”.

تجدر الإشارة إلى أن اللجنة العلمية لهذا الملتقى العلمي أوصت، بعد تتبع وتحكيم المشاركات، بـ”مزيد من التنسيق والتعاون بين الباحثين في العلوم الاجتماعية”، داعية إيّاهم إلى “تجديد العدة المنهجية وتطوير المقاربات البحثية”، مع إثارة “ضرورة تعميق النقاش حول التحولات المجتمعية، وتجسير العلائق بين الجامعة والمجتمع”، فضلا عن “الحاجة إلى مزيد من الجامعات الربيعية لتأمين الحوار بين الأجيال والحساسيات المعرفية”.

The post "ربيع العلوم الاجتماعية" يراهن على بناء وتجذير ثقافة "الجماعة العلمية" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/3d49Zkt

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire