قضية "الدونباس" .. هل تتحول أوكرانيا إلى ساحة صراع بين موسكو والغرب؟

ينذر التصعيد العسكري في منطقة الدونباس بين أوكرانيا وروسيا بالانزلاق إلى صراع خطير في المنطقة بين الجيش الأوكراني المدعوم من الغرب، وقوات الانفصاليين المدعومين من موسكو؛ ما قد يجعل من شرق أوكرانيا ساحة حرب غير مباشرة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والناتو من جهة، وروسيا من جهة أخرى.

على خط أزمة حدود أوكرانيا الشرقية، التي اندلعت مجددا أواخر مارس الماضي، إثر إرسال روسيا تعزيزات عسكرية كبيرة للمنطقة، تدخل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والناتو بدعم لا مشروط لأوكرانيا، متوجسة من أن تتحول أراضي شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا سنة 2014 إلى أراضيها، إلى قاعدة روسية ضخمة تهدد أمن أوكرانيا وحلفائها.

ويبدو أن التوتر العسكري على خط التماس شرق أوكرانيا، الأسوأ منذ توقيع اتفاقات الهدنة في يوليوز الماضي، ما هو في حقيقة الأمر إلا انعكاس لأجواء التصعيد المتزايد بين روسيا والغرب على خلفية العديد من قضايا الخلافية، لاسيما العقوبات الغربية ضد موسكو وعرقلة واشنطن مشروع “السيل الشمالي نورد ستريم 2” لنقل الغاز الروسي إلى ألمانيا.

ويمكن اعتبار عودة الأزمة الأوكرانية إلى الواجهة، وانقلاب موسكو وكييف على الأجواء الإيجابية التي فسحها انتخاب فولوديمير زيلينسكي رئيسا لأوكرانيا سنة 2019، وعمليات تبادل الأسرى وفصل القوات بمنطقة حوض الدونباس، وتمديد اتفاق نقل الغاز الروسي عبر أوكرانيا، نتيجة طبيعية لشد الحبل بين المعسكرين الساعيين إلى فرض حضورهما وضمان مصالحهما الإستراتيجية في المنطقة؛ أما كييف فيبدو أنها تسعى إلى توظيف معاداة الغرب لموسكو لتسريع انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي.

مساند كييف أوروبيا وأمريكيا ضبط لموازين القوى

منذ اندلاع الفصل الأخير من الأزمة، تتواصل التصريحات الغربية المحذرة من خروج الوضع بمنطقة الدونباس عن السيطرة؛ الأوروبيون قلقون مما اعتبروها خطوات روسية معادية تهدد ليس فقط أوكرانيا بل شرق أوروبا بأكملها، والولايات المتحدة تحذر موسكو من مغبة ترهيب جارتها التي تؤكد مدها بالدعم والعتاد والخبرة اللازمين لأي مواجهة محتملة، (125 مليون دولار قيمة الدعم الأمريكي لقطاع الدفاع الأوكراني المعلن مطلع السنة الجارية).

وفي هذا الصدد، قال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية نيد برايس، قبل بضعة أيام، إن بلاده طلبت من روسيا توضيحات بشأن ما وصفها بالاستفزازات العسكرية التي تقوم بها قرب الحدود الأوكرانية، مؤكدا أن واشنطن بعثت برسالة ضمنية إلى روسيا تفيد بوقوفها إلى جانب شركائها الأوكرانيين.

أما الأمين العام للناتو ينس ستولتنبرغ فقد أكد، من جهته، دعم الحلف لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها والتزامه بالشراكة الوثيقة معها، معتبرا أن الحلف يشعر بقلق بالغ إزاء الأنشطة العسكرية الروسية بأوكرانيا وحولها وانتهاكات وقف إطلاق النار.

وتعليقا على هذه التطورات المتسارعة، اعتبر مراقبون أن التصعيد شرق أوكرانيا يندرج ضمن رهان الغرب على تضييق الخناق على روسيا بإعادة تفعيل نزاع خامل، لاسيما بعدما لم يتحقق ذلك في قضية المعارض الروسي ألكسي نافالني، وعشية انتخابات مجلس الدوما (النواب)، المقرر إجراؤها في شتنبر المقبل، وأيضا بعد الاتصال الهاتفي الذي جرى في الثاني من أبريل الجاري، بين الرئيس الأمريكي جو بايدن وزيلينسكي.

وكان بايدن أكد لزيلينسكي خلال الاتصال على “الدعم الأمريكي لوحدة الأراضي الأوكرانية في مواجهة العدوان الروسي في الدونباس والقرم”، أي شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا عام 2014.

 روسيا تعود للتصعيد بعدما لم يثمر ضبط النفس تخفيف العقوبات

عودة موسكو للتصعيد على الحدود الشرقية مع أوكرانيا حليفة الغرب بالمنطقة في هذا التوقيت بالضبط تحمل رسائل سياسية لأكثر من جهة؛ فروسيا اختارت ضبط النفس منذ سنة 2014، في أفق تخفيف العقوبات المفروضة عليها، وتمكينها من استكمال مشروع السيل “نورد ستريم 2″، الذي سيشكل متنفسا هائلا لتصدير الغاز إلى أوروبا، وبالتالي إعطاء دفعة لاقتصادها المتأزم بتداعيات “كورونا”، غير أن المستجدات على الساحة الدولية، وفي مقدمتها انتخاب جو بايدن رئيسا للولايات المتحدة وما صدر عنه من تصريحات معادية لها، جعلها تدرك أن السياق السياسي يتطلب التصعيد للدفاع عن المصالح وليس المهادنة.

وفي هذا السياق، تؤكد موسكو أن تحركات قواتها قرب الحدود الشرقية لا تشكل تهديدا لأوكرانيا بل تهدف إلى ضمان أمن روسيا لأنها تجري داخل أراضيها.

وردا على احتمال نشر الناتو قوات في أوكرانيا، أكد الكرملين أن من شأن سيناريو كهذا أن يزيد من التوتر قرب الحدود الروسية، وقد يضطر موسكو إلى اتخاذ إجراءات إضافية لضمان أمنها.

 أوكرانيا ترى في الدعم الغربي فرصة للتخلص من التهديد الروسي

في مواجهتها مع روسيا، ترى أوكرانيا في حلف “الناتو” السبيل الوحيد لإنهاء الحرب في منطقة الدونباس، وتدعو الدول الأعضاء في الحلف إلى زيادة وجودها العسكري في البحر الأسود، وتأكيد أهمية منحها خطة عمل لعضويتها في الحلف.

أوكرانيا، في سياق إقليمي، لا تخفي اهتمامها بالتعاون العسكري مع تركيا، الذي وصل إلى مستوى “إستراتيجي” غير مسبوق في تاريخ العلاقات الثنائية، وباتت بموجبه تركيا مصدرا رئيسيا للطائرات المسيرة بالنسبة للجيش الأوكراني، علما أن المساهمة التي قدمتها تركيا لأذربيجان في معارك تحرير كارباخ أثارت في أوكرانيا حديثا عن إمكانية تطبيق سيناريو مماثل بإقليم الدونباس، ولو جزئيا.

وكما أثبتت فصول تصعيد سابقة بين روسيا وأوكرانيا، من المرجح جدا أن الأزمة حاليا مهما اشتدت لن تتحول إلى حرب مفتوحة بين الجانبين، بل ستكون فقط جولة من جولات شد الحبل بين روسيا والغرب واستخدام مناطق متنازع عليها للتعبير عن المواقف، دون الخوض في مواجهات مباشرة مفتوحة.

The post قضية "الدونباس" .. هل تتحول أوكرانيا إلى ساحة صراع بين موسكو والغرب؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/3wIwm71

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire