أسطورة انفصال البربر عن العـــرب..

الحلقة الثامنة: شروط ظاهرة السيبة..

تُمكِّــنُـنا السوسيولوجيا من رصْدِ الظاهرة الاجتماعية، والتقاط قوانينها التي تُـنْـتِجُها، وهو ما يسمح بوصف وتفسير الظواهر الاجتماعية وإمكانية التنبؤ بها.

وبما أنّ ظاهرة السيبة هي ظاهرة اجتماعية، سنحاول عبر هذه الورقة البحثية (الحلقة الثامنة) كشف شروطها والقوانين الثاوية خلفها.

-الشروط الاجتماعية:

1- شروط داخلية:

أشرنا في الحلقة السابقة إلى “حقيقة” ظاهرة السيبة التي لا يمكن إنكارها، لكن يجب وضعها في إطارها الحقيقي، الاجتماعي والموضوعي، حتى يتسنى لنا فهمها وفهم أسبابها وكذا مستوياتها ودرجة انتشارها في كل مناطق المغرب تقريبا.

سقطت الأطروحة الغربية، إلى علاقة “الانفصال” بين السلطة المركزية والقبائل البربرية وزعاماتها، وحسب مونتاني أفضى تمرّد زعماء القبائل البربرية إلى فكّ الارتباط عن السلطة المركزية، واندلاع ما سُمي حديثا بـ”السيبة”.

يشير العروي بصدد هذا المفهوم إلى أنه لم يظهر إلا تحت حكم محمد الثالث، مما يعني أن ابن خلدون يجهله على الأقل ظاهريا.

وفي السياق نفسه يلاحظ بول باسكون أنه عبر خمسين رسالة متبادلة بين إيليغ والسلطة المركزية لم ترد كلمة “السيبة” إلا مرتين، ولكن كان يتم التعبير عنها تارة بـ”الفتنة “وأخرى بـ”الفوضى” وهذا مما له دلالة بالنسبة إلى موضوعنا، وإذا كان البعض ممن حاولوا إنكار وجود هذه الظاهرة ناسبين إياها إلى الأجنبي، فإن هذا الافتراض لا يتضمن كل الحقيقة ذلك أن المجتمع المغربي في هذه الحقبة، كان مجتمعا مثله مثل سائر المجتمعات الإنسانية، وإنكار مثل هذه الظواهر إنكار لجزء من تاريخ الإنسانية، ولا أدل على ذلك مما عرفته القرون الوسطى الأوروبية من ظواهر يندى لها جبين الإنسان كالإبادات الجماعية وكذا التعذيب الذي مورس على الناس باسم التنفيذ الأعمى للقانون الفرنسي.

إن وجود هذه الظاهرة بمغرب القرن التاسع عشر هو بمثابة تعبير عن تحول شمل المغرب ككل، تداخلت فيه عوامل متعددة كلها ساهمت بفعالية في تكوين صورة المغرب في هذه الحقبة.

لقد أشار روبير مونتاني سابقا في العنوان الأول، بصدد المغرب إلى أنه لم تكن “دولة غير مركزية فحسب، وإنما لم تكن البتة دولة بالمعنى الأوروبي للكلمة”، إن هذه القولة تفترض مقياسا ضمنيا هو الدولة الأوروبية بالمعنى الحرفي، فإذا كانت أوروبا تتوفر على دول مركزية، فالمغرب لا يتوفر عليها وإذا كانت أروبا أيضا تتوفر على دولة حديثة وديمقراطية – علمانية… فإن حكام المغرب لا يمثلون دولة حسب هذا المنظور، وإذا كان روبير مونتاني لم يشذ عن هذا الخط فإنه لا يسعنا إلا الاعتراف فعلا بأن الدولة المغربية في هذه الحقبة بالذات لم تكن دولة بالمعنى الغربي، وإن كانت تشترك معها في خصائص معينة تشمل كل دول العالم.

إن الدولة الضريبية والمغربية والتي وصفها العرب هي دولة تنبني على أساس اجتماعي معين “تهدف بالضرورة إلى المحافظة على توازن القبائل والعشائر والأسر”. وهذه هي النتيجة العامة التي تمكنا من الخروج بها، ولما كانت هذه الدولة تسعى رغبة منها في الحفاظ على دوامها وإلى تأمين هذا التوازن، كان لا بد وأن تتأسس على دعائم معينة، فإن بن خلدون يوضح ذلك قائلا “… فحقيقة السلطان إنه المالك للرعية القائم في أمرهم، فالسلطان من له رعية والرعية من لها سلطان والصفة التي لها من حيث إضافته لهم هي التي تُسمى الملكة -وهي كونهم يملكهم- وإذا كانت هذه الملكة وتوابعها من الجودة بمكان حصل المقصود من السلطان على أتم الوجوه”.

وبصدد حديثه عن الخلافة وانقلابها إلى ملك يشير إلى أن هذا الأخير (الملك)هو الحكم الطبيعي حيث يكون فيه “الحاكم بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم”.

نخلص من كل هذه الشواهد إلى أن سلطنة القرن 19 مثلها مثل كل سلطنات أو دول العالم كانت تنبني على قاعدة أساسية هي القهر مع اختلاف من حيث الدرجة، ويتجلى ذلك في كون أن الدولة بمثابة ملكية “يملكها شخص واحد وإن كان في الواقع يمثل دائما –قبيلة أو جماعة– العلاقة السياسية في العمق هي أن تحكم أقلية أكثرية… حقيقة السياسة إذن هي امتلاك أمر الآخرين، والطبيعة الحيوانية في الإنسان تدفع الحاكم إلى قهر واستغلال المحكوم”، وبتفحص لمادة – دول – كما يعرضها القاموس، يلاحظ العروي أنها تتناول جميعها ميدانين: الحرب والمال، والغلبة في الحرب تؤدي أيضا إلى الاستيلاء على المال، وتكون الدولة بهذا المعنى، كما يعرفها بن خلدون “آلة القهر والغلبة والاستقلال بالملذات والمفاخر”.

ما يوضح نظام الحكم المغربي هذا هو أننا نلاحظ أن المشكل الرئيسي الذي عانى منه سلاطين المغرب كان هو مشكلة تكوين جيش قوي تابع للسلطان ويأتمر بأوامره، إن هذه الأزمة تبين لنا طبيعة النظام في هذه الحقبة، ألا يثير هذا الأمر تساؤلات عدة؟ ألم يحاول المولى إسماعيل انتزاع وسائل القهر من أيدي القبائل؟ ألا يجوز لنا أن نتساءل عن السبب الكامن وراء هذه الرغبة التي مُنيت بالفشل كما لقيت محاولات اللاحقين عليه نفس المصير؟

هل نتذرع بإلقاء كل التبعات على الغرب، ونستريح من عناء التفكير والتمحيص؟ لم يكن المخزن في القرن 19 يتوفر على جيش عصري يتحمل مسؤولية الدفاع عن الثغور بمعنى آخر لم تكن دولة القرن 19 دولة محتكرة للعنف ولوسائله، في العهد الإسماعيلي كنا نجد قبائل تمتلك أسلحة وتستغلها أثناء التمردات، لا سيما بعد وفاة السلطان مباشرة.

لقد عرفت ظاهرة التمرد أو “السيبة” انتشارا وعمقا منذ أواخر 19 حتى بدايات العشرين –ولهاذ الانتشار عوامله– فالقبائل والزعماء الصغار كانوا يتوفرون على الأسلحة، وهي من ضمن الوسائل التي استغلوها كأفضل طريقة للتهرب من دفع الضرائب المفرطة “ومن اقتطاعات لا تُحتمل أو من تعسف خادم العاهل الذي يرتكب كل شيء باسمه” وفق تعبير عبد الله العروي.

لقد كان المتمردون يعلنون صراحة خضوعهم للعاهل إلا أن هذا الخضوع لم يمنعهم من إعلان استنكارهم ورفضهم لتجاوزات وخروقات موظفيه، لم يكن التمرد “السيبة” بهذا المعنى تعبيرا عن انفصال وقطيعة مع المخزن بقدر ما كانت احتجاجا، ومطالبة بإعادة النظر في علاقة الموظفين المخزنيين بالقبائل التي يستنزفونها –باسم المخزن– دون أن يعير السلطان اعتبارا لجدية شكاوى القبائل المتضررة.

إن ظاهرة “السيبة” والتي حاول روبير مونتاني وجل الأنثروبولوجيين النظر إليها كظاهرة مجردة ومنفصلة عن إطارها العام، لا يمكن اعتبارها ظاهرة غريزية مرتبطة بالقبائل البربرية تعبر عن رغبتها في الاستقلال، وإذا جاز الحديث عن استقلال ما، فإنه استقلال نسبي اقتضته ظروف العصر منها ضعف السلطة المركزية سياسيا واقتصاديا وكذا عدم التوفر على وسائل المواصلات بالإضافة إلى الانفتاح على التجارة الخارجية الأوروبية والتي ساهمت بفعالية في تعميق وتأجيج ظاهرة “السيبة”.

لم تكن ظاهرة السيبة نتاج عوامل خارجية فقط، كما ذهب إلى ذلك جرمان عياش، إننا نعثر على بذورها داخل المجتمع المغربي ذاته في طبيعة السلطة المخزنية ذاتها، التي عجزت عن إصلاح نفسها بنفسها مما جعلها تتخلى عن مهامها الاجتماعية والسياسية مما جعل منها جهازا ضعيفا، رغم مظاهر القوة التي تتبدى أحيانا، لكنها لا تلبث ان تنطفئ أمام خلل بسيط. لقد ترتب عن كل هذا تفكك العلاقة المتينة التي ربطت سابقا بين السلطان والرعية، العلاقة بينهما أصبحت نهب القواد والأمغار للخاضعين البؤساء، ومن هنا طبيعتها الاستبدادية وتتجلى في التغطيات العسكرية لجلب الضرائب الشرعية أو غير الشرعية، الاغتناء والإثراء أصبحا من مظاهر القواد والأمغار والباشوات، والسلطة لا يهمها إلا أداء الضرائب لتغطية الخسارات بعد 1812 أصبحت الضرائب تُقدم نقدا بدل العين، ترتب عنها انفصال المساهم عن بضاعته، لم يعد بإمكانه ضبط القدر الواجب أداؤه، لقد أصبح موظفو الدولة هم الذين يحددون القدر الواجب حسب رغباتهم، وكان لا بد لهذه الوضعية أن تنفجر لتتخذ طابع “الفوضى” أو “السيبة” كان هذا الحل هو الوسيلة الوحيدة لدى القبائل والفلاحين المُفقرين أول عمل يقوم به المتمردون هو تهديم منزل القائد كما يشير إلى ذلك روبير مونتاني.

إن ظاهرة السيبة بهذا المعنى ذات طابع احتجاجي واقتصادي أساسا، وسيلة من وسائل التعبير عن السخط على تعسفات المخزن وخروقاته: من هنا جاز القول مع ادريس بنعلي بأنه “إذا كان واقعيا أن الدولة ضعيفة وعاجزة عن امتلاك جهاز قمعي قوي، قادر على تجريد السكان من السلاح، فإنه ليس أقل واقعية منه أن المخزن –يمسك ويغذي بمعنى ما– هذه الفوضى واللاأمن بسبب أنه يعيش منها “مما يدفعنا إلى النتيجة التالية: إن الفوضى واللا أمن هما جزآن من “جهود النظام ذاته”.

إذا كنا إلى حد الآن حاولنا أن نبين أن ظاهرة “السيبة” كانت بمعنى ما جزءا من طبيعة النظام ذاته متعمدين السكوت عن الإشارة إلى الأسباب الخارجية فذلك فقط رغبة منا لإظهار مرحلتين:

– مرحلة أولى يمكن حصرها تقريبا – ما قبل العهد الإسماعيلي – بقليل إلى أوائل التاسع عشر بأن الدور الفاعل في إثارة التمردات والانتفاضات يعود إلى الأسباب الداخلية المتمثلة في نقل المساهمات الضريبية، وتعسفات موظفي المخزن، مما جعل ظاهرة “السيبة “هذه تتخذ شكلا احتجاجيا وتعبيريا ذات طابع اقتصادي أساسا، أما الأسباب الخارجية فكانت تبدو في هذه المرحلة جد ثانوية -وإن كانت ذات أثر محدود- إلا أنه كان خفيفا بالمقارنة مع الأسباب الداخلية.

– أما في المرحلة الثانية والتي يمكن حصرها تقريبا ما بين 19 وأوائل العشرين، فإننا نلاحظ انزواء الأسباب الداخلية إلى درجة ثانوية جدا لتقفز إلى السطح الأسباب الخارجية المتمثلة في الغزو الفرنسي والإسباني واللذين أديا كما سنلاحظ إلى انتشار عارم ومتصاعد لما سُمي بظاهرة “السيبة”، حيث تتسع لتشمل كل مناطق المغرب، بعد 1850 إثر الانهيار الذي قاد إليه انفتاح البلاد على التجارة الأوروبية، ويمكن إيجاز عوامل وآثار التدخل الأوروبي في ما يلي:

2- الشروط الخارجية:

كانت سبتة خاضعة للاحتلال الإسباني وأثناء احتلالها هذا تقوم باستغلال أحداث بها لتُنزل فرقة عسكرية ولم يمض وقت وجيز فيتم احتلال تطوان سنة 1860 وينتهي بطلب الصلح، ولكن بعد تقديم تعويضات إلى إسبانيا تبين لاحقا عجز الدولة عن تسديدها في الأجل المحدد، مما جعل البلاد في حالة نزيف، دفعت بالمخزن إلى الاقتراض من الأجنبي ترتب عنه التوجه إلى السكان لاستغلالهم بشكل وحشي أثار تمردات قبائل عدة، ولم تزد الإصلاحات المفروضة من الخارج إلا في تعميق الهوة بين السلطان والرعية.

أدى تحرير البيع إلى وضع المغرب تحت رحمة الأجنبي مما عرض الاقتصاد المغربي إلى انهيار صارخ أمام الصناعات الأجنبية.

لقد قدمت تقوية مركز التجار الأجانب داخل الوطن –مستغلين الامتيازات الممنوحة لهم كالحماية التي شملت المغاربة أنفسهم– تسهيلا لجعل محميين لهم استعدادا للتسرب التدريجي إلى البادية المغربية مما ترتب عنه احتكار هؤلاء المحميين المحليين من -الأعيان– لا مجرد مشترين، رسخوا مراكزهم الاقتصادية من جهة 10)،

كما تسببوا في تقليل دخول النقود الأجنبية وتطورت هذه العلاقات التجارية إلى أن انتهت إلى صدام أساسي:

لقد أصبح القناصل الأجانب يتدخلون بين السلطان ورعاياه، المغاربة وُكلاء التجارة الأجنبية والمحميين من قبل الأجانب، وقد ارتفع عدد الحمايات بعد حرب تطوان مما أدى إلى غزو البلاد من طرف المسيحيين 11 من الخراب الاقتصادي للمغرب من قبل الاستعمار، نجم عنه ارتفاع فاحش في الضرائب بلغ في ظرف سنتين إلى نسبة 14 في المئة.

هذا التحول ترتب عنه إفلاس عام في خزانة الدولة، انعكست آثاره على الشرائح الاجتماعية جعل القواد المخزنيين يستغلون هذه الأوضاع، فأخذوا يطالبون الفلاح بـ”أكثر من ثلاثين مرة ما تأمر به التعاليم القرآنية.

في سنة 1861حل الفرنسيون بالتراب المغربي، هؤلاء الكفار أعداء دينهم يعرضون على أهل توات هدايا وإغراءات مالية إلا أنهم قوبلوا بالرفض والتمسوا من السلطان أن يتدخل لجعل حد لهذه الخروقات الاستفزازية، ونفس العملية حاول الإنجليز القيام بها بالشواطئ الصحراوية حيث أنزلوا بضائع مهرية لعلهم يستجلبون تعاطف السكان غير أن قبيلة باعمران كادت تقتل أحد متزعمي العملية الإنجليز لولا خداعهم لهم بجواز مرور مزور يحمل خاتم السلطان.

وفي سنة 1864 حاولت الأقليات اليهودية المرتبطة من حيث المصالح بالأجانب الإنجليز استغلال الأوضاع لمطالبة السلطان إصدار ظهير يتم بموجبه تحسين معاملة اليهود، وذلك بإيعاز من أسيادهم الأجانب، وفي نفس السياق ينصاع فئة الأعيان لإغراءات الإسبان حيث قدموا أنفسهم أعوانا ناشطين لها فأصبحت تلعب كل الأدوار في تأجيج النزاعات بين القبائل، وهنا أصبح الريف يحمل الصورة “المروعة التي يود البعض رسم خطوطها العريضة والتي تكمن في “السيبة”.

وبالمناسبة بورد ضابط إسباني تحمل بنفسه حملة التخريب، شهادة عن أحد عملائه من قبيلة بني ورياغل يقول فيها “كانت الخطة ترتكز على العمل بشكل يصبح معه بنوورياغل في حالة حرب مستمرة، وذلك عن طريق تحطيم النظيمة المسماة ب”نظيمة الغرامات” حيث كانت القبيلة تفرض غرامة عندما تقع جريمة قتل وبذلك يستتب السلم، إلا أن الخطة التي اعتمدها كانت تقوم بالضبط على الحيلولة دون أداء هذه الغرامة منذئذ وقع التراشق بالنار على الأسواق التي تعطل فيها، وتمخضت عن ذلك المطالبة بالثأر وبديون الدم كان القتل يتم من قرية أخرى ولم تتمكن القبيلة إطلاقا من التوصل إلى اتفاق بينهما للالتحاق بأولئك الذين كانوا يحاربوننا، لقد تمكنا من الحفاظ على هذا الوضع طوال سنوات عدة كانت الحرب دائما بينهم ولم تكن أبدا ضدنا”.

أما القائد العام الإسباني الذي يعمل جاهدا على احتلال الريف، فيقدم شهادة يقول فيها “إن هذا الفريق الموجود رهن إشارتي في موضوع أراضي العدو هو الذي يتيح بسهولة تفكيك التكتلات المسلحة التي احتشدت في جو جماعي لإبادتنا، هذا الفريق لا بد وأن ينفذ إلى داخل هذه التكتلات لكي يزرعوا فيها روح الهزيمة قبل أن نتعرض لأي هجوم، وهذا الفريق هو الذي ينمي أيضا بينهما وحسب رغبتي صراعات دامية كتلك التي تمزق مثلا قبيلتي بقيوة وبني ورياغل، بُغية شل الريف عن إرسال أي وحدة للقتال على نهر كرت، فبالنسبة لهؤلاء الأهالي تبقى الحرب مستمرة دائما مثلا أعلى، ولا أدل على ذلك من أنهم لا ينفكون عن القتال في ما بينهم -قبيلة ضد قبيلة، أسرة– رجل ضد رجل. ولكن ما يلاحظ هو أن نشاطنا السياسي يعمل على تحريف إرادتهم عن الهدف الذي ارتضوا بأنفسهم أن يكون مخصصا لذلك فإنهم يقضون على كيانهم ويحطمونه بأنفسهم – بلا وعي وكضرورة أولية للكفاح الذين يريدون خوضه ضدنا في ما بعد، في حين أننا نتابع طريقنا بعزم وسكينة”.

إن هذه الشواهد كافية لإثبات دور الاستعمار في إثارة ما اعتُبر غريزة بربرية وهي ظاهرة “السيبة “المفتعلة لتبرير تدخله، فالقبيلة البربرية التي اعتُبرت حسب السوسيلوجيا الكولونيالية لا تعرف إلا الاقتتال في ما بينها، فإن الشهادة الأولى تلح وبقوة على القضاء على “نظيمة الغرامة” التي كانت تنتظم القبائل في ما بينها وتحافظ على توازنها انطلاقا من قوانينها الذاتية، إن الاقتتال القبلي والفوضى “التي عانتها قبائل البربر هي فوضى مصطنعة أوقد ثأرها المستعمر ليُضفي على نفسه مشروعية إيقاف “نظيمة العنف”…

فما هي الآثار التي ترتبت عن هذه الأساليب الاستفزازية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي؟ ما هي الأسس الاجتماعية لظاهرة “السيبة” هذه؟ فمن حيث الآثار الاقتصادية نلاحظ انهيارا عاما للاقتصاد المغربي أمام دخول الصناعات الأجنبية، مما ترتب توجيه ضربة عنيفة للتجارة الوطنية كان من نتائج هذا التدهور ارتفاع صاروخي مرعب للأسعار، زاد من تعميقه أيضا حدوث الجفاف الذي دام حوالي سنة كاملة، لقد أصبح المخزن أمام هذه الأوضاع مشلولا وفاقدا لأية سيطرة على الشواطئ التجارية مما أدى إلى إفلاسه وانتهائه.

أما على المستوى الاجتماعي فالإفقار والبؤس أصبحا عملتين شائعتين نتيجة القروض الأجنبية، فكلما اقترضت القمة ازداد بؤس القاعدة وتعمق، الجيش أصبحت معنوياته منحطة بالإضافة إلى فساده، لم يعد أي تعاطف بين السكان وبين جيش لا يفكر إلا في النهب. كل هذه الظروف أدت إلى انحلال رابطة البيعة بين مخزن عاجز عن صد غزوات المحتل وبين رعايا في أسفل درجات الفقر، من بين الأمثلة الدالة على هذا التفكك بين الرعية والسلطان ذلك التوتر الذي حدث بين الريفيين والسلطان فقد فوجئ سكان الريف، إثر محاصرتهم للعدو الإسباني بعد 1860 بأمر السلطان لهم بالتخلي للإسبان عن جزء من أراضيهم – مساكن –حقوق …. ويصف شاهد عيان إسباني هذه الحالة قائلا “فقد كان أمرا جد مقلق بالنسبة للقبائل أن ترى جيش السلطان وعلى رأسه أمير تقدم لفرض إرادة أمة أجنبية، إنه لمشهد لم يسبق له نظير في هذه المملكة”، وستتعمق طبيعة هذه العلاقة عندما يرسل السلطان عقب تجدد هذه الأحداث جيوشه حتى نهاية القرن 19 أربع مرات -لقتل الناس وتحطيم المساكن- وفي كل مرة كان العاهل إما منحازا للعدو ضد رعاياه أو آمرا إياهم بالخضوع له (وللعدو).

لقد كانت هذه الوقائع والظروف، الخلفية التي كانت وراء التفاف سكان الريف حول الأدعياء الذين وجدوا فرصة سانحة لاستغلال النوايا الطيبة، لم يكن هذا الدّعي سوى “بوحمارة”. لم يكن التفاهم حوله رغبة في الانشقاق وإنما اعتقادا منهم أنه الوريث الشرعي، وإذ بعد انكشاف لعبته وانكشاف الخيوط المحركة له –والتي حبكتها فرنسا- عاقدين الآمال على المولى حفيظ في تحرير البلاد، إلا أنه سرعان ما قادهم إلى قبول الهزيمة…

لقد اتسمت هذه الحقبة بتصاعد الانتفاضات، حيث أصبحنا نلاحظ بروز ظواهر حادة لم تكن معهودة سابقا أي قبل التدخل الأجنبي، هكذا تكاثرت ظاهرة النهب واعتراض بعض القوافل التجارية من لدن القبائل، القواد المخزنيون اضمحل نفوذهم، ظاهرة المغامرين، تفاقم الانتهازيين مستغلين الفراغ السياسي ومنتزعين تعيينهم كقواد…

الحلقة التاسعة: تفنيد ظاهرة السيبة أو أسطورة الانفصال.

The post أسطورة انفصال البربر عن العـــرب.. appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/3o8SN0g

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire