لم يخبر يوسف أبيرجن الحياة في المغرب أبدا، ولم تطأ قدماه تراب المملكة منذ أن رأى النور، إلا أن ازدياده في أحضان أسرة أطلسية يجعل قلبه لا ينبض إلّا على الإيقاع المغربي في كل تعابير حياته، ولسانه المواظب على النطق بالعبرية والدنماركية والإنجليزية يتشبث أيضا بالتعبير بالعربية المغربية الدارجة.
وإذا كان مسار حياة يوسف أبيرجن قد امتد من الشرق الأوسط إلى الأراضي الاسكندنافية، مرورا بالضفة المتوسطية الشمالية وإنجلترا، وارتبط بمتغيرات العمل في مجال تجارة المجوهرات بمختلف أنواعها، فإن ثباته يتحقق في الانتماء بصدق إلى صفوف الجالية المغربية اليهودية والافتخار بثقافة الأجداد إلى أقصى حد.
آيت عتاب
ازداد يوسف أبيرجن سنة 1959 في بيت تسكنه أسرة من أصل مغربي في إسرائيل، وتلقى رعاية بالغة من أمه المتفرغة لتربية صغارها، من جهة، وأبيه المشتغل بائع خضر بالتقسيط، من جهة ثانية، ما أتاح له التشبع بالثقافة المغربية الجامعة بين الروافد العبرية والأمازيغية والعربية منذ نعومة أظافره.
ويقول يوسف: “أبي وأمي من اليهود المغاربة المنتسبين إلى منطقة آيت عتاب بجبال الأطلس، المنتمية حاليا إلى جهة بني ملال خنيفرة وفق التقسيم الإداري الحالي”، ثم يضيف “لقد غادرا المغرب بمعية أخوين أكبر مني، كان سن أحدهما عامين والآخر أربع سنوات في ذلك الآن، وبقيا يتحدثان العربية الدارجة والأمازيغية على مدى عقود طويلة من العيش في إسرائيل، ومنهما اكتسبت اللغتين”.
ترعرع يوسف وسط سبعة إخوة آخرين مشدودين إلى الأصول المغربية بفعل كثرة حديث الوالدين عن ماضي العيش في إقليم أزيلال، إذ كانت العادات والتقاليد المرتبطة بالوطن الأم تتوسط المسكن الأسري مرافقة حكايات عن التعايش والتسامح اللذين خبرهما الأبوان في آيت عتاب، وقسط وافر من الندم على مفارقة التواجد بتراب المغرب.
بين اليونان ولندن
استوفى يوسف التدرج بين فصول التعليم الأساسي بسلاسة، طيلة ثمانية مواسم متتالية، وعبر مرحلة الدراسة الثانوية في أربع سنوات متعاقبة، قبل الحصول على شهادة الباكالوريا، ثم أضحى مطالبا بثلاثة أعوام من الخدمة العسكرية كمجند في صفوف الجيش الإسرائيلي قبل اختيار وجهته المستقبلية.
وبخصوص تلك الفترة يقول ذو الأصل المغربي: “لم أكن بين أقراني ممن يتمدرسون في مؤسسات يهودية، بل اختارت أسرتي أن أتلقى التعليم بكيفية عادية في مؤسسات غير دينية، وحين أنهيت فترة التجنيد بقيت مدة قليلة في إسرائيل قبل أن أجرب حظي في الهجرة إلى أوروبا”.
عبر يوسف المياه المتوسطية للتعرف على الحياة في “القارة العجوز” انطلاقا من اليونان، وعمل على التنقل كسائح بين مجموعة من البلدان الأوروبية من أجل التعرف على ثقافات شعوبها، وعند الوصول إلى إنجلترا بقي ملازما لندن ثلاثين شهرا قبل أن يتم ترحيله إلى إسرائيل، سنة 1982، بداعي “عدم تسوية الوضعية القانونية”.
الوجهة الاسكندنافية
عاد يوسف للعيش في الدولة العبرية أربع سنوات إضافية، ثم قرر إعادة الكرة بالإقبال على الهجرة، وابتغى الوصول إلى الأراضي الاسكندنافية هذه المرة، ليستقر بمملكة الدنمارك ابتداء من سنة 1986، مستفيدا من دعم الشريحة اليهودية المستقرة بكوبنهاغن، عموما، وذوي الأصل المغربي منهم على وجه الخصوص.
ويقول يوسف عن هذه الهجرة الثانية: “لم أصل إلى اسكندنافيا بطريقة مباشرة، بل عملت على التنقل بين مجموعة من البلدان كي أصل إلى محطتي النهائية وأشرع في البحث عن تحقيق ذاتي بالكيفية التي تلائم طموحاتي، ومن أجل ذلك اخترت السير بهدوء شديد دون محيد عن الأهداف التي كنت قد حددتها لنفسي”.
كما يشدد يوسف، بخصوص هذه المرحلة المرتبطة بأواسط سنوات الثمانينيات من القرن العشرين، على أن التنشئة التي حظي بها من لدن أسرته، وما أتاحته من تشبع بالتعابير الهوياتية المغربية، جعلته ينال دعم ذوي الأصول المغربية من أجل الاندماج في المجتمع الدنماركي، سواء كانوا مسلمين أو يهودا، وتحييد مجموعة من الصعوبات التي تلاقي المهاجرين في بداية الاستقرار بهذه البلاد.
تجارة المجوهرات
ارتبط النشاط المهني ليوسف بتجارة المجوهرات دوما، إذ بدأ العمل في كوبنهاغن كبائع بسيط للحلي في الشارع، وبعد عشر سنوات أفلح في الحصول على محل صغير خاص به، ثم حرص على تطوير نشاطه على مراحل استغرقت في مجملها قرابة 25 سنة، مؤسسا مجموعة من الشركات المختصة في بيع المجوهرات على ثلاث دفعات.
ويرى المفاخر بأصله المغربي أنه استفاد كثيرا من تجربة الهجرة الأولى التي قام بها من أجل شق مسار مغاير في الهجرة البديلة التي أقبل عليها، مراهنا على الإصغاء لذوي الخبرة قبل الشروع في أي خطوة، والالتزام بالأعمال التي يتوفر على معرفة فيها، إضافة إلى تفادي الاستعجال في جني المكاسب بحثا عن الاستقرار قبل أي شيء آخر.
“ارتحت كثيرا بالبقاء في تجارة الحلي والمجوهرات على مدى العقود الأربعة الأخيرة من حياتي، وأشعر برضى تام عن كل ما حققته من خلال العمل في هذا الميدان، وبعدما حققت ما أريد من خلال العمل لحسابي الشخصي ارتأيت أن أغير الوجهة من أجل العمل لحساب شركة في المجال عينه، ولا أزال ملتزما بهذا الخيار حتى الحين”، يضيف يوسف.
لحمة يهود المغرب
حرص يوسف، طيلة 36 سنة من العيش في كوبنهاغن، على التواجد وسط الجالية اليهودية ذات الأصل المغربي في الدنمارك؛ وإن كان عدد أفرادها متواضعا بالنسبة لحضور اليهود في دول أوروبية عديدة، حيث مجموعهم لا يتخطى سبعة آلاف شخص كأقصى تقدير.
ويقول ساخرا: “قد أكون الأضعف في الكلام بالعامية المغربية من بين كل يهود المغرب المتواجدين بالدنمارك، لكن قلبي يبقى من أشد المتشبثين بالوطن الأم وإن كان حلمي بالتواجد على أرضه لم يتحقق حتى الآن.. ويمكنني التأكيد على أن قرابة 40 بالمائة من يهود الدنمارك من أصل مغربي”.
ويسترسل مصرحا بأن الجالية اليهودية المغربية في كوبنهاغن، سواء في حياتها اليومية أو عند ممارسة طقوسها التعبدية بالمعبدين المتواجدين بالعاصمة الدنماركية، تستحضر الثقافة المغربية في أكلها وملبسها وأحاديثها، تماما كما جرى نقله عن طريق الأجداد والآباء، ويعد الزيغ عن ذلك عيبا غير مقبول بالمرة.
علاقات الرباط وتل أبيب
يؤكد المزداد في إسرائيل أن فرحا عارما غمر الجالية اليهودية المغربية عقب إعلان الرباط وتل أبيب استئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما من خلال مكتبين للاتصال، وأن مصدر هذه السعادة الكبيرة يكمن في الدلالات الوجدانية لهذه الخطوة قبل النظر إلى المكاسب التي يتوخى السياسيون الحصول عليها من المبادرة.
ويفسر ذلك قائلا: “هناك مليون شخص من أصل مغربي يعيشون في إسرائيل، وهؤلاء ينتمون إلى أجيال مختلفة متشبعة بحب المملكة حتى النخاع.. واستئناف العلاقات يعني، بالنسبة لهذه الشريحة العريضة، التمكن من زيارة أرض الأجداد دون تأشيرة ولا إشكالات مسطرية معقدة كانت حاضرة في الماضي”.
ويضيف “أضرب مثالا لهذا بفرح عائلتي بعدما تمكن أبي، الذي لم يزر المغرب منذ 50 سنة، من التوجه إلى آيت عتاب والدموع تغمر عينيه، مصطحبا بعض إخوتي للتعرف على البلد، وقد نجح في ملاقاة أصدقاء قدامى فارقهم منذ عقود خلت.. وهناك عدد كبير من أشباه أبي يفرحون للغاية عند تمكينهم من زيارة المغرب”.
القدرة على التأقلم
يستعين المستقر بكوبنهاغن منذ الثمانينيات بخلاصات تجربته في الدنمارك ليشعر الراغبين في الهجرة إلى اسكندنافيا بأن المتطلبات لم تعد سهلة كما عرفها قبل 37 سنة من الآن، ما يعني أن الوافدين الجدد مطالبون ببذل مجهودات إضافية إذا أرادوا النجاح وسط المجتمع الدنماركي.
ويعتبر يوسف أن حيازة قدرة كبيرة على التأقلم يتيح للمهاجرين الجدد التمكن من متطلبات الاندماج في الدنمارك، بداية بتعلم لغة البلد وضبط خصوصياته الثقافية، ثم الانخراط فيما يتيح جمع المعرفة في الميادين التي تناسبهم، وشق مساراتهم المهنية بهدوء وثبات، والحصول على ثقة الغير لضمان التطور باستمرار.
“من المؤكد أن هناك صعوبات مجتمعية كثيرة تستلزم ضبط القوانين والتغيرات الطارئة عليها باستمرار، وأن المتولين مسؤولية اتخاذ القرارات يضعون سياسات عمومية متخوفة من موجات الهجرة، لكن الأذكياء المتوفرين على إرادة قوية بمقدورهم فرض ذواتهم بالكيفية اللازمة لتحقيق أحلامهم”، يختم يوسف.
The post مسارات مغاربة في اسكندنافيا.. يوسف أبيرجن يتوسط الجالية اليهودية بكوبنهاغن appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
from Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية https://ift.tt/cy4U2BV













